facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نحو استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة المخدرات


د. بركات النمر العبادي
15-07-2026 10:25 AM

* بين العلاج والردع وحماية المجتمع

لم تعد قضية المخدرات في الأردن مجرد ظاهرة جنائية تُعالج بالأدوات الأمنية والقانونية التقليدية، بل أصبحت تحدياً وطنياً متعدد الأبعاد يمس الأمن المجتمعي والصحة العامة والاقتصاد والأسرة ومنظومة القيم ، فالمخدرات ليست مجرد مادة محرمة أو جريمة قانونية ، وإنما هي اعتداء مركب على الإنسان والمجتمع والدولة في آن واحد ، لأنها تستهدف العقل المنتج ، وتفتت الروابط الأسرية ، وتفتح أبواب الجريمة والعنف ، وتستنزف الطاقات البشرية التي تمثل الثروة الحقيقية للأمم ومن هنا فإن أي مقاربة جادة لمواجهة هذه الآفة يجب أن تقوم على رؤية وطنية متكاملة لا تكتفي بالعقوبات ، ولا تكتفي كذلك بالمعالجات الاجتماعية والصحية وحدها ، بل تجمع بين الوقاية والعلاج والتأهيل والردع ضمن منظومة واحدة تعمل بصورة متزامنة ومتكاملة.

أولا ً: البعد الطبي والصحي : تبدأ المواجهة الحقيقية من اعتبار الإدمان مشكلة صحية تحتاج إلى تدخل طبي متخصص إلى جانب كونها قضية أمنية وقانونية ، فالكثير من المدمنين هم ضحايا وقعوا في دائرة التعاطي نتيجة ظروف اجتماعية أو نفسية أو اقتصادية مختلفة ، لذلك تقتضي المصلحة الوطنية:

• توسيع مراكز العلاج والتأهيل في مختلف المحافظات.
• توفير برامج علاجية متخصصة ومجانية أو مدعومة.
• تعزيز خدمات الصحة النفسية المرتبطة بالإدمان.
• تشجيع المدمنين على طلب العلاج دون وصمة اجتماعية.
• تطوير برامج إعادة الدمج المجتمعي والمهني للمتعافين .

ثانياً: البعد الاجتماعي والثقافي : لا يمكن عزل المخدرات عن البيئة الاجتماعية التي تنمو فيها ، فضعف الرقابة الأسرية ، والبطالة ، والفراغ ، وتراجع منظومة القيم ، وضعف الوعي ، كلها عوامل تهيئ الأرضية لانتشار هذه الآفة ، ومن هنا تبرز الحاجة إلى :

• برامج وطنية مستدامة للتوعية في المدارس والجامعات.
• تمكين الأسرة من أداء دورها الوقائي والتربوي.
• دعم الأنشطة الشبابية والرياضية والثقافية.
• تعزيز دور المؤسسات الدينية والإعلامية والمجتمعية.
• توفير فرص العمل للشباب والحد من البطالة والفقر .

ثالثاً: البعد الأمني والمؤسسي : تمثل الأجهزة الأمنية الأردنية خط المواجهة المتقدم في مواجهة شبكات التهريب والترويج، وقد حققت نجاحات كبيرة في هذا المجال. غير أن تطور أساليب التهريب وارتباط بعض الشبكات بعصابات منظمة عابرة للحدود يفرض: - تحديث أدوات الرصد والتحليل الاستخباري ،- تعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات الرسمية ،- تشديد الرقابة على مصادر التمويل غير المشروعة ،- ملاحقة الشبكات الكبرى وتجفيف منابعها المالية ، - توسيع التعاون الإقليمي والدولي في مكافحة المخدرات.

رابعاً: البعد التشريعي والردعي : في الوقت الذي تستحق فيه فئات المتعاطين والمدمنين فرص العلاج والتأهيل ، فإن الأمر يختلف جذرياً عندما يتعلق الأمر برؤوس الشبكات الكبرى وتجار المخدرات المنظمين الذين يحولون هذه التجارة إلى مشروع إفساد ممنهج للمجتمع ، ومن هذا المنطلق، فإن تطوير قانون المخدرات ينبغي أن يقوم على مبدأ التمييز بين الضحية والمجرم، وبين المتعاطي الذي يحتاج إلى العلاج، والتاجر المحترف الذي يتعمد الإضرار بالمجتمع ويستهدف أبناءه لتحقيق مكاسب غير مشروعة ، وفي هذا السياق، يبرز النقاش الوطني حول تشديد العقوبات بحق كبار تجار المخدرات، وصولاً إلى العقوبات القصوى التي يقررها المشرّع ضمن الضمانات الدستورية والقضائية الكاملة، وبعد استنفاد جميع درجات التقاضي والتحقق من ثبوت الجريمة بصورة قطعية.

الرؤية المحافظة الأردنية ومكافحة المخدرات : من منظور الفكر المحافظ الأردني ، فإن المجتمع ليس مجرد تجمع لأفراد منفصلين ، بل هو كيان أخلاقي وثقافي متراكم تشكل عبر التاريخ من الأسرة والقيم والدين والهوية الوطنية ، ولذلك فإن مكافحة المخدرات لا تُفهم فقط باعتبارها حماية للأفراد ، بل باعتبارها دفاعاً عن تماسك المجتمع واستمرارية الدولة وحماية لرأس مالها الاجتماعي.ويؤمن الفكر المحافظ بأن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن الحقوق لا تستقيم دون واجبات، وأن الدولة مطالبة بحماية المجتمع من كل ما يهدد أمنه الأخلاقي والإنساني ، لذلك فإنه يدعم المعالجة الطبية والاحتواء الاجتماعي وإعادة التأهيل، لكنه في الوقت ذاته يؤمن بأن هيبة القانون والردع الحازم يشكلان ركناً أساسياً في حماية المجتمع من العصابات المنظمة والمفسدين الذين يتعمدون نشر السموم بين الشباب.

وفي الختام إن المعركة ضد المخدرات ليست معركة وزارة أو جهاز أمني أو مؤسسة بعينها ، بل هي معركة وطن بأكمله ، وهي تتطلب استراتيجية شاملة تسير فيها المعالجات الطبية والاجتماعية والتربوية والأمنية والتشريعية جنباً إلى جنب ، ضمن إطار قانون متطور يواكب التحديات المستجدة ويحاكي الطموحات الوطنية ، فكل مدمن يتم علاجه هو انتصار للمجتمع ، وكل شاب يتم تحصينه بالوعي هو مكسب للوطن ، وكل شبكة إجرامية يتم تفكيكها هي خطوة نحو أمن أكبر، وكل عقوبة رادعة تُطبق وفق القانون والعدالة هي رسالة واضحة بأن الدولة قادرة على حماية مجتمعها وصون مستقبله ، وبذلك يتحقق التوازن بين الرحمة تجاه الضحية ، والحزم تجاه المفسد ، وبين العلاج حين يكون العلاج ممكناً ، والردع حين يصبح الردع ضرورة لحماية الوطن وأبنائه.

حمى الله الاردن من كل كريهة.

* حزب المحافظين الاردني / الامين العام المساعد للثقافة الحزبية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :