الصحافة الاستقصائية .. والجنرال مثالًا: عندما يكون المضمون أهم من الاسم
محمد ابوسماقة
15-07-2026 04:04 PM
* ليست القضية في "الجنرال"... بل في الحقيقة التي يطرحها.
منذ أن ظهر هذا الحساب، انشغل كثيرون بالسؤال: من يقف وراءه؟ من يديره؟ وما هي هويته؟ لكن السؤال الذي كان يجب أن يتصدر المشهد هو: هل ما ينشره صحيح؟ وهل يستند إلى وثائق وأدلة تستحق أن تتعامل معها مؤسسات الدولة بجدية؟
هذه هي فلسفة الصحافة الاستقصائية في كل دول العالم. فالتحقيق الاستقصائي لا يكتسب قيمته من اسم صاحبه، وإنما من قوة الدليل الذي يقدمه، ومن قدرته على كشف الحقيقة وخدمة الصالح العام. لذلك لم تُخلّد أشهر التحقيقات الصحفية في العالم لأنها حملت أسماء صحفيين كبار، بل لأنها كشفت حقائق غيّرت مسار الأحداث، وأسهمت في حماية المال العام، وترسيخ سيادة القانون، وإصلاح مؤسسات الدولة.
وفي الأردن، حيث يؤكد جلالة الملك عبدالله الثاني في كل مناسبة أن لا أحد فوق القانون، وأن مكافحة الفساد ليست شعارًا بل نهج دولة، فإن أي جهد مهني يقدم معلومات موثقة ووثائق قابلة للتحقق يستحق أن يُنظر إليه بعين المسؤولية، لا بعين الريبة.
إن الانشغال بهوية من ينشر المعلومة قد يحجب الحقيقة نفسها. أما الانشغال بالمضمون، فهو الطريق الصحيح. فإذا كانت الوثائق صحيحة، فواجب المؤسسات المختصة أن تتحقق منها، وأن تتخذ الإجراءات التي يفرضها القانون. وإذا كانت غير صحيحة، فليكن الرد بالحقيقة والوثيقة، لا بمحاكمة الأشخاص أو التشكيك في النوايا.
لا أحد يطالب بأن يكون كل ما يُنشر صحيحًا، ولا أحد يمنح أي منصة صكًا بالمصداقية المطلقة. لكن من حق المجتمع أن تُفحص المعلومات، وأن تُقاس بميزان الأدلة، لا بميزان الأسماء. فالحقيقة لا تعرف اسمًا، ولا تنتمي إلى شخص، وإنما تثبتها الوقائع.
الصحافة الاستقصائية ليست خصمًا للدولة، بل شريكًا في حمايتها. وهي لا تستهدف المؤسسات، بل تستهدف الخلل داخلها. والدولة الواثقة من نفسها لا تخشى النقد المهني، لأنها تعلم أن كشف الخطأ هو بداية الإصلاح، وأن إخفاءه هو بداية الأزمة.
ومن هنا، فإن ما يثيره حساب "الجنرال" من نقاش يجب أن يدفعنا إلى مراجعة ثقافتنا في التعامل مع المعلومات. فبدل أن نسأل: من هو الجنرال؟ لنسأل: هل ما نشره صحيح؟ وهل تم التحقق منه؟ وهل قامت الجهات المختصة بواجبها تجاه ما ورد فيه؟
إن الأوطان لا تبنى بالصمت، ولا تحمى بتجاهل الحقائق، وإنما تبنى بالشفافية، وتحمى بسيادة القانون، ويصونها إعلام مهني مسؤول، وصحافة استقصائية جادة، ومؤسسات تمتلك الشجاعة للاعتراف بالخطأ قبل البحث عن مبررات له.
وفي النهاية، سيبقى المضمون هو الفيصل، وستبقى الحقيقة أقوى من الأسماء، لأن الأسماء قد تغيب، أما الحقيقة فإنها تبقى، ولأن الوطن لا ينتصر إلا عندما تكون الحقيقة هي المنتصر الأول.