لم أكن أتوقع أن يصبح وزيرٌ سابق جاري الجديد، وأن يسكن قريبًا مني. وحين علمت بذلك، تذكرت وصية النبي ﷺ بالجار: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
فقلت في نفسي: للجار حق، ومن أول حقوقه "النصرة".
لكنني توقفت قليلًا وسألت نفسي: ما معنى "نصرة الجار" إذا كان وزيرًا سابقًا، وقد أصبح اسمه حاضرًا في نقاش عام واسع؟ هل تكون النصرة بالدفاع عنه مهما فعل؟ أم بالصمت عما يدور؟ أم بترديد ما يُقال في وسائل التواصل الاجتماعي دون تثبّت أو دليل؟
ثم أدركت أن النصرة الحقيقية ليست في تبرئة أحد قبل ظهور الحقيقة، ولا في إدانته قبل ثبوتها، وإنما في المطالبة بالحقيقة كاملة.
يا جاري الجديد...
إذا كنت مظلومًا، فمن حقك علينا أن نطالب بكشف الحقيقة، وأن يعرف الناس ما جرى دون زيادة أو نقصان. وإذا كانت لديك معلومات أو وثائق أو وقائع تتصل بما حدث، فإن مكانها الطبيعي هو الجهات الرقابية والقضائية المختصة، وأن تُعرض من خلال القنوات القانونية والمؤسسية الواضحة، لا أن تبقى معلّقة في عبارة تحتمل كثيرًا من التأويل، مثل: "سأكشف كل شيء".
أما إذا لم يكن هناك ما يُقال أو يُكشف، فإن أفضل خدمة تقدمها لنفسك وللدولة وللرأي العام هي أن تطوي الصفحة بوضوح، حتى لا يبقى الوطن أسير الإشاعات، ولا يبقى المواطن عالقًا بين الروايات والتفسيرات.
فالقضية اليوم لم تعد قضية شخص أو منصب، ولا خلافًا عابرًا حول استقالة وزير أو إقالته؛ إنها قضية "ثقة" بين الدولة والمواطن.
وأنا أدرّس مادة "حكومات المستقبل"، ونؤكد للطلبة دائمًا أن من أهم أولويات الحكومات الحديثة رفع مستوى "ثقة المواطنين" بها؛ لأن الثقة ليست قيمة معنوية هامشية، بل هي رأس مال سياسي ومؤسسي، ومن دونها تفقد القرارات العامة قدرتها على الإقناع، وتضعف قدرة المؤسسات على التنفيذ، ويتسع الفراغ بين الدولة والمجتمع.
وفي الأردن، حيث ما تزال مستويات الثقة بالحكومة ومؤسساتها دون الطموح وفق استطلاعات ومؤشرات متعددة، لا يجوز التعامل مع القضايا العامة بمنطق الغموض، أو الرسائل المتناقضة، أو التسويات غير المفهومة.
فكل قرار لا يُشرح للناس بوضوح، وكل تراجع لا يقدم له تفسير مقنع، وكل شبهة تُطوى دون إجابات، لا تنهي الأزمة، بل تضيف طبقة جديدة إلى جدار الشك القائم أصلًا.
الحكومات لا تبني الثقة بالشعارات، ولا بالمؤتمرات الصحفية وحدها، ولا بتغيير "الروايات" كما فعل وزير الاتصال الحكومي؛ بل تبنيها بالشفافية، والاتساق، وسيادة القانون، والمساواة في المساءلة.
وعندما يشعر المواطن بأن الحقيقة لا تُقال كاملة، أو أن بعض الملفات تُدار بالتلميح بدلًا من الوضوح، فإن الخسارة لا تصيب صورة الحكومة وحدها، بل تمتد إلى مصداقية المؤسسات وإلى ثقة الناس بفكرة الدولة نفسها.
فالدول لا تُقاس بعدد الوزراء الذين يأتون ويغادرون، وإنما بقدرتها على إقناع مواطنيها بأن القانون هو الحكم، وأن الحقيقة لا تُخفى، وأن الشفافية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة ثم يُنسى.
وقد تكون الاستقالة قرارًا سياسيًا أو إداريًا، لكنها لا تُغني عن الوضوح. فعندما يكثر الغموض، تتعدد الروايات، وعندما تغيب الرواية الرسمية المقنعة، يملأ الناس الفراغ بتفسيراتهم، حتى يصبح الرأي العام هو من يكتب القصة بدلًا من المؤسسات المعنية.
ولهذا، فإن نصرتي للجار الجديد ليست دفاعًا عنه، وليست خصومة معه، وليست حكمًا مسبقًا له أو عليه.
إنها دعوة صادقة إليه، وإلى كل مسؤول حالي أو سابق، أن يجعل الحقيقة فوق الأشخاص والمناصب، وأن يدرك أن الأوطان لا يحميها الصمت الملتبس، بل يحميها الوضوح، ولا تُصان بالتلميحات، بل بالحقائق والوقائع.
يا جاري العزيز...
إن كان لديك ما يفيد الوطن، فقله كاملًا عبر القنوات التي يحمي بها القانون الحقيقة وأصحابها. وإن لم يكن لديك، فلا تترك الناس أسرى لعبارات تحتمل كل شيء ولا تثبت شيئًا.
فالجار له حق، نعم.
أما الوطن... فله الحق الأكبر.
ولعل أجمل نصرة يمكن أن نقدمها للجار هي أن نطالبه بالحقيقة؛ لأنها وحدها التي تنصف المظلوم، وتكشف المخطئ، وتحفظ هيبة الدولة، وتصون ثقة الناس بمؤسساتها.
ومعاليك، قبل أن أختم، لا بد من تنبيهٍ صغير بحكم الجيرة: هناك مجموعة من القطط تتجول حول منزلك الجديد، وقد اعتدنا إطعامها في فترة غيابك. فلا تقلق، فهي والله أليفة، وربما تكون أول المرحّبين بك في الحي، وقد تحمل لك، على طريقتها، شيئًا من الأنس والخير والسعادة.
فمرحبًا بك جارًا جديدًا...
وللجار حق، وللقطط نصيب من الترحيب، أما الحقيقة فتبقى حق الوطن كله.