السلط .. حنين أربعين عامًا .. مدينةٌ يسكنها التاريخ. ويعشقها القلب
جعفر الخشمان
16-07-2026 10:43 PM
"هناك مدنٌ نزورها... وهناك مدنٌ تسكن أرواحنا."
من تراب السلط بدأت أولى خطواتي، ومن هوائها تنفست أول أحلامي، وبين أزقتها العتيقة كتبت صفحات طفولتي، وعلى مقاعد مدارسها تعلمت أول دروس الحياة.
قد يبتعد الإنسان عن مدينته سنواتٍ طويلة، لكن المدن الأصيلة لا تغادر القلب، بل تبقى تسكن الذاكرة، وتنبض مع كل نبضة حنين.
واليوم... وبعد أربعين عامًا من الغياب، عدت إليها، فوجدت أن الزمن غيّر كثيرًا من الوجوه، لكنه لم يستطع أن يغيّر عشق السلط في قلبي.
السلط... سلطانة البلقاء
السلط ليست مدينةً من الحجر الأصفر فحسب، بل هي مدينة الحضارة، والتاريخ، والعلم، والتسامح، والأصالة.
مدينة احتضنت أبناءها بمحبة، وفتحت أبوابها لكل قادم إليها، حتى أصبحت رمزًا للتعايش بين مختلف أطياف المجتمع الأردني، واستحقت أن تُسجل على قائمة التراث العالمي لليونسكو بوصفها مدينةً للتسامح والضيافة.
في السلط ولدت...
وعلى ترابها لعبت...
وبين حاراتها القديمة كبرت...
ودرست في مدرسة السلط الثانوية – الفرع العلمي، تلك المدرسة العريقة التي خرّجت رجال الدولة، والعلماء، والأطباء، والمهندسين، والمفكرين، وكانت وما زالت منارةً للعلم والوطن.
ثم حملتني الحياة إلى مدينة جدة، حيث واصلت دراستي في جامعة الملك عبدالعزيز، تخصص الإعلام، وعملت في المملكة العربية السعودية خمسةً وثلاثين عامًا.
تعلمت الكثير...
وكتبت الكثير...
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير...
كان القلب دائمًا في السلط.
ظل أذان مساجدها يرافقني، ورائحة الزعتر والميرمية تعبق في ذاكرتي، وظل الحجر الأصفر حاضرًا في كل مدينة زرتها، وكأنه يناديني للعودة.
وبعد أربعين عامًا...
عدت.
عدت إلى المدينة التي لا تشبه سواها.
عدت أبحث عن بيت الطفولة، وعن الأزقة التي حفظت خطواتنا، وعن الأسواق القديمة، وعن الوجوه التي غاب بعضها، وبقي أثرها في الذاكرة.
وجدت السلط ما زالت شامخةً بجمالها، لكنها بحاجة إلى مزيد من الرعاية، لتبقى كما تستحق أن تكون.
الصورة التي أمامنا تختصر الكثير...
في أعلاها مدينة أوروبية حافظت على تراثها، فصار مصدر فخرٍ لأهلها، ومقصدًا لزوارها.
وفي أسفلها السلط...
بنفس التاريخ...
ونفس الجمال...
ونفس الحجر...
لكنها ما زالت تنتظر المزيد من الاهتمام، والترميم، والعناية.
فالفرق ليس في الأبنية...
بل في قيمة المحافظة على الإرث الحضاري.
السلط تستحق أن تكون أجمل واجهة تاريخية للأردن، فهي مدينةٌ لا يشيخ تاريخها، ولا ينطفئ نورها.
رسالة وفاء
إلى كل مسؤول...
وإلى كل محبٍ للسلط...
إن الحفاظ على هذه المدينة ليس ترفًا، بل واجبٌ وطني، لأنها ذاكرة الأردن، وشاهدٌ حيّ على تاريخه، وإرثٌ يستحق أن نورثه للأجيال القادمة بكل فخر واعتزاز.
خاتمة
يا سلط...
يا مدينة القلب...
ويا أمي الثانية...
أربعون عامًا كانت كافيةً لأدرك أن الإنسان قد يغترب عن المكان، لكنه لا يغترب عن الذكريات.
عدت إليك وقد غزا الشيب رأسي، لكن حبك بقي شابًا لا يعرف الكِبر.
أسأل الله أن يحفظ السلط وأهلها، وأن يديم عليها الأمن والمحبة، وأن تبقى شامخةً بحجارتها الصفراء، وأسواقها العريقة، وكنائسها ومساجدها، وأهلها الطيبين، وأن تعود دائمًا درةً تتزين بها جبال البلقاء، وفخرًا للأردن كله.
دمتِ يا سلط... مدينةً للعلم، والتاريخ، والمحبة، والتسامح.