في مثل هذه الأيام من كل عام، كانت الأمانة العامة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية تستعد لإغلاق باب الترشح للدورة الجديدة، بعد أسابيع من استقبال مئات المجموعات القصصية من مختلف أنحاء العالم.
أما هذا العام، فالصمت على ما يبدو سيدُ الموقف، فلا إعلان يؤكد المضي في تنظيم الدورة التاسعة، ولا توضيح يُصدره المنظمون فيبدد قلق الكتّاب والمهتمين بشأن مصير الجائزة التي نجحت، خلال سنوات قليلة، في أن تصبح تظاهرة ثقافية ينتظرها المبدعون والقراء والنقاد على حد سواء.
فأين جائزة الملتقى هذا العام؟
يأتي هذا السؤال في سياق الدفاع عن مشروع ثقافي استطاع أن يحقق ما عجزت عنه مشاريع عربية كثيرة، بعضها وقفت وراءه مؤسساتٌ كبيرة بميزانيات ضخمة. فمنذ انطلاقها، تجاوزت جائزة الملتقى، التي جاءت بمبادرة من القاص والروائي والناشط الثقافي طالب الرفاعي، وبرعايةٍ ودعمٍ من جامعاتٍ ومن المجلس الوطني للثقافة والفنون بدولة الكويت، كونها مجرد منافسة سنوية تمنح جوائز مالية للفائزين بالقائمة القصيرة والمركز الأول، لتغدو مشروعاً ثقافياً يعيد الاعتبار إلى فن القصة القصيرة، في وقتٍ اتجهت فيه معظم الجوائز العربية إلى الرواية.
فقد دشنت "الملتقى" تقليداً ثقافياً عربياً غير مكتفيةٍ بتتويج الفائزين، فكل دورة من دوراتها الأخيرة كانت تنتهي بموسم يلتقي فيه مبدعون ونقاد وناشرون وإعلاميون ومترجمون من أنحاء العالم، لتصبح احتفاليةُ الختام والأنشطة المرافقة مساحةً للحوار في القضايا الراهنة المتعلقة بالقصة، وتبادل الأفكار حول آليات وكيفيات تعزيز مكانة هذا الفن في الحياة الثقافية. وتحولت القائمتان الطويلة والقصيرة إلى منصة للتعريف بكتّاب جدد والاحتفاء بمجموعات قصصية فارقة، حتى غدا الوصول إلى أيّ من هاتين القائمتين بمثابة شهادة أدبية معتبرة، ودافعٍ للقراء والنقاد للاهتمام بهذه المجموعات وبأصحابها، بصرف النظر عن النتيجة النهائية.
إن الثقة التي منحها المشهد الثقافي العربي لهذه الجائزة، ما هي إلا ثمرة سنوات من العمل المؤسسي المتواصل، واحترام المعايير، واستقلالية لجان التحكيم، والإيمان بأن قيمة الأدب تقاس بالنصوص، لا بالأسماء أو الجنسيات أو العلاقات أو سوى ذلك من معايير غير إبداعية. ومن هنا، فإن المحافظة على هذا الرصيد الثقافي ضرورة، لأن الأمر يتعلق بمكتسب أصبح جزءاً أصيلاً من المشهد الثقافي.
لقد تشبّث طالب الرفاعي، مؤسس الجائزة والمشرف العام عليها، بحلمه، وبذل الكثير لإرساء دعائم هذا المشروع الثقافي الذي سرعان ما اكتسب احترام الأوساط الأدبية والنقدية، لجدّته وجدّيته. واحتضنت دولة الكويت هذه المبادرة، ووفرت لها البيئة التي مكّنتها من أن تحظى بالمكانة التي هي عليها الآن. وأخذت الجائزة مكانها الأعلى في "منتدى الجوائز العربية" لتمثل دولة الكويت بمنصب نائب الرئيس، بما يقدم دلالة كبيرة على أن "الملتقى" مثّلت نموذجاً مشرقاً للحضور الثقافي الكويتي في الفضاء العربي، يعكس تاريخ هذه الدولة المعروف في دعم الثقافة والفكر والنشر، ويواصل الدور الذي قامت به مؤسساتها الثقافية باقتدار على امتداد عقود.
ربما تمر المشاريع الثقافية، مثل غيرها في قطاعات أخرى، بظروف طارئة واختبارات غير متوقعة، لكن قيمتها الحقيقية تظهر في قدرتها على الاستمرار والاستدامة. ولنتذكر أن المشاريع الكبرى لا تصبح "كبرى" لأنها بدأت بداية جيدة، وإنما لأنها استطاعت أن تصمد، وأن ترسي تقاليد راسخة. وهذا ما فعلته جائزة الملتقى.
إن أسئلةً من قبيل: أين جائزة الملتقى؟ وهل الدورة التاسعة معلّقة أو مؤجلة؟ ومتى تستأنف الجائزة مسيرتها؟
تنطلق من حسن نية، وتُطرَح بعينٍ مُحِبّة، حرصاً على مشروعٍ ثقافي أثبت، عاماً تلو آخر، أنه يستحق الحياة. وما الدفاع عن استمرار جائزة ثقافية ناجحة كـ"الملتقى" إلا دفاعٌ عن فكرة الثقافة نفسها، فكل مبادرة نزيهة تمنح المبدعين فرصاً عادلة ومتساوية، وكل مشروع يجمع العرب حول الأدب، هو مساحةُ أمل في زمن تتكاثر فيه أسباب الإحباط والخذلان.
المأمول أن يستمر هذا المشروع الثقافي الذي أثبت نجاحه واستحق مكانته، فالمشهد الثقافي العربي لا يمتلك فائضاً من المبادرات الناجحة حتى نقبل بتوقف أحدها. على العكس، نحن في حاجة إلى كل مشروع جاد، ولا سيما إذا كان كـ"جائزة الملتقى"؛ التي أعادت القصة القصيرة إلى دائرة الضوء، واحتفت فيها مانحةً إياها مقعد الصدارة.
ما نرجوه اليوم أن تستأنف جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية رحلتها، فالمشروعات التي تَثبُت قيمتُها ينبغي أن تستمر، لأنها تغدو مع الزمن جزءاً من الذاكرة الثقافية العربية، وركناً لا يستقيم مستقبل الثقافة في غيابه.