facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عالم شبكي ومجتمعات شبكية


إبراهيم غرايبة
18-07-2026 11:41 AM

ثمة أحداث كبرى عشناها أو نعيشها في الفترة الممتدة تقريبا من بدء الألفية الثالثة، وهي في مستوى متقدم وغير مألوف من الضخامة والغرابة، لم نلاحظ أو نشعر بشكل كافي بمدى عمق تأثيرها وتغييرها في العالم والسياسة والعلاقات الدولية والأسواق والحياة اليومية.

لكنها لم تنل اهتماما إعلاميا وثقافيا يكافي أهميتها وعمقها، ويمكن الإشارة على سبيل المثال إلى الأزمة المالية العالمية (2008) وطبيعة الحروب الدائرة اليوم كما في إيران واوكرانيا وغزة ولبنان، وما أحدثه اليوم الموبايل والانترنت من تغيير كبير في العمل والحياة. والتحولات الكبرى التي تجري اليوم في أسواق العمل.

انفجرتت الأزمة المالية العالمية في أواخر عام 2008، وأدخلت الاقتصاد العالمي في دوامة من الانهيار، نتيجة مباشرة للديناميات الخاصة للاقتصاد العالمي، يقول المفكر السوسيولوجي مانويل كاستلز إن الأزمة قد نتجت عن تفاعل عوامل رئيسية؛

أ‌. التحول التكنولوجي في القطاع المالي، الذي أوجد سوقًا مالية عالمية تقوم على شبكات الحاسوب العالمية، وزود المؤسسات المالية بقدرات حسابية هائلة مكّنتها من تشغيل نماذج رياضية متقدمة. وكان يُعتقد أن هذه النماذج قادرة على إدارة التعقيد المتزايد للنظام المالي، من خلال تشغيل أسواق مالية مترابطة عالميًا عبر معاملات إلكترونية تتم بسرعة البرق.

ب‌. تحرير الأسواق المالية والمؤسسات المالية وإلغاء القيود التنظيمية المفروضة عليها، بما سمح بتدفق شبه حر لرؤوس الأموال عبر العالم، متجاوزًا إلى حد كبير قدرة السلطات الوطنية على الرقابة والتنظيم.

ت‌. تحويل كل مؤسسة اقتصادية، وكل نشاط، وكل أصل مالي إلى أوراق مالية قابلة للتداول، بحيث أصبحت القيمة المالية هي المعيار الأعلى لتقدير قيمة الشركات والحكومات، بل وحتى الاقتصادات الوطنية بأكملها. وعلاوة على ذلك، أتاحت التقنيات المالية الجديدة ابتكار عدد كبير من المنتجات المالية المعقدة، مثل المشتقات المالية، والعقود الآجلة، والخيارات، وأدوات التأمين المضمونة بالأوراق المالية، كعقود مبادلة مخاطر الائتمان (Credit Default Swaps).وأصبحت هذه الأدوات أكثر تعقيدًا وتشابكًا بصورة متزايدة، حتى انتهى الأمر إلى تحويل رأس المال إلى كيان افتراضي، والقضاء على أي مظهر من مظاهر الشفافية في الأسواق، بحيث فقدت الإجراءات المحاسبية معناها الحقيقي.

ث‌. الاختلال بين تراكم رؤوس الأموال في البلدان الصناعية الجديدة، مثل الصين، والدول المصدرة للنفط، وبين الاقتراض المتزايد في الاقتصادات الغنية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وقد أدى ذلك إلى موجة من الإقراض المتهور لملايين المستهلكين الذين اعتادوا العيش على الدَّين، وهو ما عرّض المؤسسات المقرضة لمخاطر تجاوزت بكثير قدراتها المالية.

ج‌. الأسواق المالية لا تعمل، إلا جزئيًا، وفق منطق العرض والطلب، بل تتأثر بدرجة كبيرة بـ "الاضطرابات المعلوماتية". ولذلك، فإن أزمة الرهن العقاري التي بدأت في الولايات المتحدة عام 2007، عقب انفجار فقاعة العقارات، سرعان ما انتشرت في أنحاء النظام المالي العالمي. ففي حين أن انهيار سوق العقارات في اليابان في أوائل تسعينيات القرن العشرين كانت له آثار شديدة على الاقتصاد الياباني، فإن تأثيره على بقية العالم ظل محدودًا بسبب ضعف الترابط آنذاك بين أسواق الأوراق المالية والأسواق المالية الدولية.

ح‌. غياب الرقابة الفعالة على تداول الأوراق المالية والممارسات المالية، الأمر الذي مكّن الوسطاء الماليين من تضخيم الاقتصاد، وتعظيم مكافآتهم الشخصية، عبر اتباع سياسات إقراض تنطوي على مستويات متزايدة من المخاطرة.

ويشير كاستلز أيضا إلى ما شهده العمل والتشغيل من تحولات عميقة. ولكن، خلافًا لما تنبأ به المتشائمون الذين بشروا بمجتمع بلا عمل، أو المتفائلون الذين وعدوا بعصر اقتصادي جديد. إذ اختفت بعض المهن، في حين ظهرت مهن أخرى بأعداد أكبر. وبوجه عام، شهد البناء المهني لقوة العمل ارتفاعًا في مستوى المهارات المطلوبة وفي المستوى التعليمي اللازم لشغل الوظائف.

ومع ذلك، فإن هذا التوسع في فرص العمل، إلى جانب الارتفاع في مستويات التعليم، لم يؤدِّ إلى تحسن مستدام في مستويات المعيشة في البلدان الصناعية. ويرجع ذلك إلى أن أجور غالبية العمال لم تواكب نمو الإنتاجية والأرباح، في الوقت الذي واجه فيه توفير الخدمات الاجتماعية، ولا سيما الخدمات الصحية، صعوبات متزايدة نتيجة الارتفاع الهائل في تكاليف الرعاية الصحية، وتقليص المزايا الاجتماعية في القطاع الخاص. ولولا الدخول الكثيف للنساء إلى سوق العمل، لتعرض مستوى معيشة غالبية الأسر إلى الانخفاض. وقد أحدث هذا التأنيث المتزايد لقوة العمل تأثيرًا عميقًا في الأسس الاقتصادية للنظام الأبوي، ومهّد الطريق لصعود الوعي النسوي، وهو ما تناولته بالتوثيق والتحليل في المجلد الثاني من هذه الثلاثية، وكذلك في عدد من أعمالي اللاحقة.

يقول كاستلز: جميع التحولات الاجتماعية الكبرى تتميز، في نهاية المطاف، بإعادة تشكيل المكان والزمان في التجربة الإنسانية. المجتمع الذي يتشكل أمام أعيننا ليس مجرد امتداد للمجتمع الصناعي، بل يمثل نمطًا تاريخيًا جديدًا من التنظيم الاجتماعي. ويستند هذا المجتمع إلى شبكات رقمية قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد، والعمل، والثقافة، والاتصال، والمدينة، والزمن، والسلطة. مجتمع الشبكات لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجتمعًا أفضل أو أسوأ من المجتمع الصناعي، وإنما بوصفه شكلًا تاريخيًا جديدًا، يفتح إمكانات غير مسبوقة، ويطرح في الوقت ذاته تحديات جديدة. السؤال لم يعد هو ما إذا كانت الشبكات سوف تغير المجتمع، وإنما كيف تعيد هذه الشبكات تشكيل المجتمع، ومن يمتلك القدرة على التحكم فيها، وكيف يمكن توجيهها لخدمة المصالح العامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :