قرض بلا فائدة .. وفخاخ بلا حدود!
د. محمد خالد العزام
19-07-2026 09:24 PM
في زمنٍ تتعدد فيه المبادرات وتتنافس فيه الجهات على شعارات الدعم، تطل علينا مبادرةٌ وطنية كأنها غيمةُ خيرٍ في سماءٍ قاحلة: برنامج الإقراض الزراعي بالتعاون مع وزارة العمل، يمدّ يدَه للشباب العاطلين بقرضٍ أبيضَ لا ربا فيه، ولا فائدةَ تثقله، وكأنه حلمٌ يليق بكرامة الأردنيين. لكن سرعان ما يتلاشى هذا الحلم حين يصطدم بواقعٍ مرير، يفضح ثغرةً نافرة في جسد البرنامج، ويحوّل هذه البادرةَ النبيلة إلى طعمٍ مسموم في فم المنتظرين.
فالقرض المشروط بدورةٍ تدريبية مدتها أربعة أشهر، ليس في أي مدينة، بل في قلب العاصمة عمان، حيث تغلي الأسعار وتتضاعف النفقات، وكأنّ صانع القرار يغرق في بركةٍ من العزلة عن معاناة المواطن. وهنا يسقط السؤال كالصاعقة: من أين لشابٍ عاطل، لا يملك قوت يومه، أن يستجمع ثمن السكن والطعام والمواصلات في مدينةٍ تلتهم المدخرات كما تلتهم النارُ الأخضرَ واليابس؟ إنه يُطلب منه أن يغامر بآخر ما تبقّى له من أمل، في رحلةٍ قد تكون نهايتها إفلاسًا معنويًا قبل أن تكون بدايةً لنهضةٍ زراعية.
أيُعد هذا دعمًا؟ أم أنه اختبارٌ قاسٍ لمن يجرؤ على الحلم؟ وكأن البرنامج يقول للشاب: "إن كنت تريد قرضًا، فاترك جوعك في البيت، وتعالَ إلى عمان لتموت جوعًا هنا!" إن هذا الشرط، في جوهره، ليس سوى حاجزٍ يضرب بعرض الحائط مبدأ تكافؤ الفرص، ويفرض على أبناء المحافظات البعيدة غرامةً ماليةً ومعنوية قبل أن يحصلوا على قرضهم. إنه يحوّل الدورة من بوابةِ تمكينٍ إلى فخٍ مالي، ومن جسرِ عبورٍ إلى جدارٍ صدّ.
إننا نناشد القائمين على هذا البرنامج، ونقولها بصراحةٍ لا تُحتمل: إمّا أن تُلغوا شرط العاصمة، أو تُسقطوا القرض بأكمله، فلا معنى لدعمٍ يبدأ بعقاب! فلا يمكنُ لشابٍ أنهكته البطالة أن يُرهق نفسه بنفقات السكن في عمان، وكأنّ وزارة العمل تريد أن تُعلّم الشباب الزراعة، لكنها تنسى أن تعلّمهم كيف يعيشون أثناء التعلم!
العلاج ليس في تعديلٍ طفيف، بل في ثورةٍ على هذا المنطق. فلا بد من نقل الدورات إلى فروع مؤسسة الإقراض الزراعي في كل محافظة، وإلى مكاتب وزارة العمل المنتشرة في ربوع المملكة. أو، على الأقل، توفير بدل إقامة وتنقل للشباب الملتحقين، كي لا يكون القرضُ هبةً تتحول إلى دَينٍ جديد قبل أن يُصرف.
إن الشباب ليسوا بحاجة إلى شعاراتٍ برّاقة، ولا إلى وعودٍ تطير مع الريح. هم بحاجة إلى دعمٍ يُلامس واقعهم، إلى برنامجٍ ينزل إلى حيث يعيشون، لا إلى برنامجٍ يستدعيهم إلى سرابٍ في العاصمة. فإذا أردنا حقًا أن نُنهض بالزراعة، فلنبدأ من جذور الأرض، حيث الفلاحون، لا من أبراج القرار التي لا ترى سوى أفق المدينة. فإما أن يكون القرضُ دعمًا حقيقيًا، وإما أن يكون مجردَ عنوانٍ إعلاميٍّ نُسجله في سجلاتنا، ثم ننساه كما ننسى أحلام شبابنا.