facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ما كنا نسميه وعياً


رمزي الغزوي
20-07-2026 12:25 AM

ما الذي يحدث حين لا تعود الحقيقة مطاردة، وتغدو مطمورة تحت جبل من أشباه الحقائق الصغيرة؟ فالعالم لم يعد يكذب علينا بالطريقة القديمة التي خبرناها وعايشناها؛ لم يعد يضع السجان على باب الزنزانة، ولا الرقيب خلف الستارة مثلا. لقد صار أكثر ذكاء وأشد خبثا: يفتح لنا كل الأبواب دفعة واحدة، ثم يتركنا نهيم في الممرات حتى ننسى إلى أين كنا ذاهبين.

كل صباح، نستيقظ على ألف رواية للحادثة نفسها. ألف شاهد، وخبير، ومقطع مجتزأ، حتى يغدو اليقين نفسه متهما. لا أحد يسرق الحقيقة منا؛ هي بالتأكيد تختنق تحت هذا الفائض الهائل من الكلام. العالم لم يعد يحجب الضوء، بقدر ما يسلط علينا ألف شمس لاهبة حتى نعجز عن فتح أعيننا.

دخلنا زمنا جديدا لا يحكمه الحديد ولا النار. هو شيء أكثر نعومة وأشد فتكا: التنويم الجماعي. سلطة لا تأمر، بل توحي. لا تصادر العقول عندما تكون قادرة على استئجارها لبعض الوقت. تتركك تظن أنك اخترت، وأنك فكرت، وأنك وصلت إلى استنتاجك بحرية كاملة، بينما كانت أصابع خفية تعيد ترتيب المشهد كله حولك.

هذه سلطة الإغراق الجديدة. تغرقنا بالصور، وبالتنبيهات، وبالسرديات المتناسلة كالأمواج المبثوثة. وما إن نلتقط أنفاسنا حتى نكتشف أن انتباهنا، وهو أثمن ما نملك، قد بيع أو بالأحرى قد سرق.

ولعل أكثر ما يثير الفزع أن الضباب لا يأتي من الخارج وحده. ففي كل مرة يهزنا نص عظيم، أو تأخذنا فكرة إلى أماكن لم نعرفها ينهض السؤال المتوحش: من كتب هذا؟ إنسان أرقه الليل؟ أم آلة لا تعرف معنى الليل أصلا؟ من الذي يفكر الآن؟ نحن، أم ذلك العقل المستعار الذي يجلس إلى جوارنا في كل غرفة، ويكتب معنا ويهمس لنا بكل إجابة؟

أصبح الشك ضرورة أخلاقية. لا لأن العالم امتلأ بالكذب والتضليل، إنما لأن الوهم بات أكثر أناقة من الحقيقة وأسلس على الفهم. وما لم نتعلم كيف نصغي إلى الصمت وسط هذا الضجيج، فسوف نستيقظ ذات يوم لنكتشف أن وعينا نفسه لم يعد ملكنا.

المعركة المقبلة لن تكون بين الصادق والكاذب، ولا بين الإنسان والآلة. حتما ستكون بين من يملك انتباهه ومن فقده. بين من ما زال قادرا على طرح السؤال، ومن استبدل السؤال بإشارة إعجاب أو بمشاركة بلهاء.

حين ينقشع ذلك الضباب، ولو للحظة خاطفة، سنرى الحقيقة الأكثر إيلاما: لم تكن المشكلة أن العالم خدعنا، بل أننا، من فرط التعب، سلمناه مفاتيح عقولنا، ثم مضينا مطمئنين. وعندها فقط، سنفهم أن آخر ما يسقط في الحروب الكبرى ليس المدن ولا الإمبراطوريات، بل ذلك الضوء الساطع الذي كان يسكن خلف الجبين، وكنا نسميه وعيا.

الدستور





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :