بين المعارضة السياسية والاعتراض السيادي
مالك العثامنة
20-07-2026 12:35 AM
في أسبوع واحد، لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران خبرا نتابعه من بعيد، فقد دخلت صواريخ إيرانية المجال الجوي الأردني، وسقط بعضها داخل المملكة، بينما تصدت الدفاعات الجوية لأخرى كانت تستهدف أراضيها. وهنا، لم يعد السؤال من بدأ الحرب، ولا من يمتلك الحجة الأقوى فيها، بل صار أبسط وأشد وضوحا: ماذا تفعل الدولة حين يتجه صاروخ إلى أرضها وناسها؟
من حق الأردني أن يرفض الحرب الأميركية على إيران، وأن يراها عدوانا أو مغامرة جديدة يدفع الإقليم ثمنها، ومن حقه أيضا أن ينتقد الوجود العسكري الأميركي وسياسات التحالفات واتفاقاتها، فهذه كلها قضايا سياسية مشروعة وقابلة للنقاش، لكن أيا منها لا يمنح إيران حق استخدام السماء الأردنية، ولا يحول الصاروخ المتجه إلى الأردن إلى رسالة سياسية يمكن تفهمها أو تبريرها.
حتى القول إن الصواريخ تستهدف قوات أميركية لا الأردن، لا يغير جوهر المسألة، فوجود قوة أجنبية على أرض دولة، أيا كان موقفنا من وجودها، لا يسقط سيادة تلك الدولة ولا يمنح خصوم القوة الأجنبية حق قصف أراضيها، ويمكن للأردنيين أن يناقشوا هذا الوجود، وأن يطالبوا بتفسيره أو مراجعته، لكن هذا قرار أردني يناقش داخل الأردن، لا قرار تصوغه طهران بالصواريخ نيابة عنا.
المشكلة أن بعضنا لا يرى الحدث إلا من خلال موقفه المسبق من أميركا، فإذا كان ضدها، صار اعتراض الصاروخ الإيراني دفاعا عنها، وكأن الأردن مجرد امتداد لقاعدة عسكرية، لا دولة لها مدن وقرى ومطارات وناس، وهذه قراءة تختصر البلاد كلها في خصومة ليست خصومتها، ثم تطلب منها أن تعطل دفاعاتها كي تثبت حيادها.
الحياد لا يعني أن تترك سماءك مفتوحة، والسيادة لا تقاس بهوية من أطلق الصاروخ ولا بهوية من يعترضه، بل بقدرة الدولة على منع أي طرف من تحويل أراضيها إلى ساحة تصفية حسابات، ولذلك فإن إسقاط صاروخ إيراني لا يجعل الأردن طرفا في الحرب الأميركية، تماما كما أن رفض العدوان الأميركي لا يلزم الأردن بالصمت على انتهاك إيراني مباشر لسيادته.
يمكننا أن نختلف حول الاتفاقيات العسكرية، وحدود العلاقة مع واشنطن، وكلفة التموضع الأردني في إقليم مشتعل، لكن هذه مناقشة داخلية تجري بالكلمات والبرلمان والسياسة، لا بالصواريخ الموجهة إلينا، فالصاروخ لا يقدم مذكرة تفسيرية قبل سقوطه، ولا يميز بين قاعدة وبيت عائلة، وبين خصم وحليف، وبين مؤيد للحرب ومعارض لها.
الأردن ليس مطالبا بأن يحب إيران أو يعاديها، ولا بأن يدافع عن أميركا أو يبرئها، بل بأن يحمي نفسه، وهذه ليست عقيدة خارجية ولا اصطفافا أيديولوجيا، بل هي الوظيفة الأولى للدولة، بأن تمنع الآخرين من إدخال حروبهم إلى بيوتنا، وأن تقول للجميع بوضوح، سماء الأردن ليست ممرا، وأرضه ليست صندوق بريد لصواريخ أحد.
الغد