كيف نعيد صياغة مفهوم "السياسات العامة" في الأردن؟
المحامي معن عبداللطيف العواملة
20-07-2026 10:38 AM
عقودٌ خلت و نحن نُكرّس في وعينا الجمعي وممارساتنا الرسمية معادلةً مفادها ان تحدياتنا الرئيسية اقتصادية بامتياز، وليست سياسية أو اجتماعية. هذا التسليم قاد المجتمع والنخبة، تدريجياً، إلى تجنب الخوض العميق في فلك السياسات العامة. فمتى و اين تم طرح برامج وطنية متكاملة او قطاعية مدعومة بالأرقام والبيانات والمؤشرات الإحصائية، لا بالآراء الشخصية والقناعات المتوارثة؟ هل شهدنا حواراً منهجياً يديره خبراء وحكماء حول فلسفتنا الضريبية، أو أولويات الإنفاق العام؟ أين مراكزالفكر التي تقدم بدائل في سياسات التعليم و الصحة و حماية البيئة و التخطيط الحضري و الاستدامة؟
يخبرنا الاكاديميون ان "ضبط المصطلحات" هو الخطوة الاولى نحو حوار وطني ناجح. والسياسات العامة، في أصلها الوطني، ليست صراعاً خفياً على النفوذ، ولا محاصصة، ولا جدلاً حول الأشخاص، بل هي مختبر صناعة الخيارات الكبرى والمفاضلة بين المسارات التنموية عبر مقارعة الافكار و تمحيص الارقام. إن غياب السياسات العامة بهذا المفهوم يؤدي الى افتقار العمل العام لحوارات بناءة اساسها البرامج الاستراتيجية.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف أننا ندير الأزمات بالقطعة، بدلاً من رسم سياسات عامة عابرة للحكومات في مجالات حيوية كصياغة الهوية التعليمية، وحلول النقل الشاملة، و تخطيط المدن، ومواجهة مظاهر التطرف والعنف المجتمعي. الخيارات الوطنية الكبرى تبدأ بتحليل السياسات وتُحسم بها عبر توافق مجتمعي متين. وبعد ذلك يأتي دور التطبيق التكنوقراطي المهني الكفؤ والفعال لترجمة التوجهات إلى واقع ملموس. أما الرهان على الإدارة التكنوقراطية المعزولة عن فلسفة سياسات واضحة، فهو رهان على هياكل بلا روح.
إن عدم الاعتناء بالسياسات العامة الإيجابية داخل الفضاء العام يترك خلفه فراغاً كبيرا. هذا الفراغ يؤدي حتماً إلى تدني الرؤى وضعف الأداء العام، نظراً لانعدام التقييم والمراجعة الدورية. و عندما يغيب الحوار الوطني المستدام، لا يتوقف المجتمع عن الكلام، بل يتجه فوراً إلى الإعلام البديل ومنصات التواصل الاجتماعي. هناك، في غياب المعلومة الموثوقة والتحليل العلمي، تسود الغوغائية واللامسؤولية، وتنتشر الإشاعة، والنتيجة الحتمية هي تدني مصداقية مؤسسات الدولة وتآكل الثقة في المجال العام.
إن الانتقال بالأردن إلى مئويته الثانية بثبات يتطلب ثورة بيضاء في آلية صناعة القرار، ترتكز على مأسسة الحوار باطلاق منصات حوارية وطنية تجمع الأكاديميين، والتكنوقراط، والسياسيين بشكل دوري مما يفعل عملية صياغة استراتيجيات طويلة المدى لا تتأثر بتغير الاشخاص. و يتطلب ذلك الاستثمار في المعرفة عن طريق دعم وتمويل مراكز الأبحاث الوطنية المستقلة وربط مخرجاتها بالبرلمان والحكومة. علينا و بسرعة الانتقال من إدارة الانطباعات إلى إدارة البيانات والأرقام و الادلة العلمية.
حتى تستعاد الثقة علينا تبني مبدأ المكاشفة وحق الحصول على المعلومة لتجفيف منابع الإعلام الغوغائي. ان إعادة بناء جسور الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية امر بالغ الاهمية. حان الوقت لكي ندرك أن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي يمر حتماً عبر بوابة السياسات العامة الإيجابية، وأن حماية أمننا الوطني واستقرارنا تبدأ من إحياء فلسفة الحوار العلمي الرصين في فضائنا العام.