facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من استخراج الموارد إلى صناعة القيمة


د. حمد الكساسبة
20-07-2026 11:38 AM

تمثل الشراكة بين شركتي البوتاس العربية ومناجم الفوسفات الأردنية لإنشاء مجمّع صناعي مشترك في العقبة والشيدية خطوة مهمة في مسار تطوير الصناعة الأردنية، لأنها تستند إلى قاعدة قوية بناها الأردن في قطاع التعدين، وتفتح المجال أمام الانتقال إلى مرحلة أعمق من التصنيع تقوم على رفع القيمة المضافة، وتنويع المنتجات والصادرات، وتعزيز الاستفادة من الموارد الوطنية، بحيث لا يتحدد نجاح المشروع بحجم الاستثمار وحده، بل بمقدار القيمة التي يستطيع الاحتفاظ بها داخل الاقتصاد الأردني.

وفي هذا الإطار، تنبع قيمة المشروع من قدرته على جمع مدخلات الفوسفات والبوتاس، والخبرة الإنتاجية، والقدرة المالية، والعلاقات التسويقية ضمن سلسلة صناعية واحدة، بما يسمح بالانتقال بالمورد من الاستخراج والمعالجة الأولية إلى التصنيع المتخصص والبحث والتطوير والتسويق المباشر، ومن ثم دعم إنتاج حامض الفوسفوريك المنقّى والأسمدة والمنتجات المتخصصة، وتعزيز حضور الأردن في الأسواق المرتبطة بالزراعة والأمن الغذائي.

غير أن توافر المواد الخام والخبرة، على أهميتهما، لا يضمن النجاح تلقائيًّا؛ فامتلاك الفوسفات والبوتاس يمنح الأردن ميزة طبيعية، لكن الحفاظ على القدرة التنافسية يتطلب تحويل هذه الميزة إلى قدرة صناعية تقوم على التكنولوجيا والجودة والكفاءة والمرونة، وهو ما يجعل تأسيس الشركة المشتركة بحاجة إلى وضوح في توزيع الأدوار، وسرعة في اتخاذ القرار، وتنسيق فعلي بين الإنتاج والاستثمار والتسويق والبحث والتطوير والبنية التحتية.

وانطلاقًا من ذلك، يبدأ النجاح التجاري من اختيار المنتجات والأسواق بعناية، بحيث تُمنح الأولوية للمنتجات التي يستطيع الأردن المنافسة فيها، وتتمتع بطلب قابل للاستمرار وهوامش ربح تتناسب مع حجم الاستثمار، على أن تستند الطاقات الإنتاجية الجديدة إلى دراسات سوق مستقلة، ومؤشرات طلب فعلية، وترتيبات بيع مسبقة متى أمكن، بما يحد من مخاطر إنشاء قدرات كبيرة ثم البحث لاحقًا عن أسواق تستوعبها.

وإلى جانب حسن اختيار المنتجات، تبرز أهمية المرونة في التنفيذ، إذ يمنح التنفيذ المرحلي المشروع فرصة لاختبار الأسواق، ومراجعة الكلف، وتعديل مزيج الإنتاج وفق تغير الأسعار والطلب، كما يقلل من مخاطر التوسع الكبير دفعة واحدة في قطاع يتأثر بكلف الطاقة والنقل والطلب الزراعي وحركة التجارة الدولية، شريطة أن ترتبط كل مرحلة بجدول زمني واضح ومؤشرات أداء محددة حتى لا تتحول المرحلية إلى تأجيل مفتوح.

وبالقدر نفسه، لا يمكن قياس أهمية المشروع بحجم منشآته أو طاقته الإنتاجية فقط، لأن الإنفاق على المعدات والإنشاءات لا يبقى كله داخل الاقتصاد، خصوصًا إذا استورد جزء كبير منه، ولذلك فإن المقياس الأدق يتمثل في ما سيولده المشروع بعد التشغيل من صادرات جديدة، ووظائف نوعية، ورواتب، ومشتريات محلية، وضرائب وعوائد، فضلًا عن أثره غير المباشر في الموردين والخدمات والأنشطة الاقتصادية الناتجة عن زيادة الدخول المحلية.

ومن هنا تبرز أهمية المحتوى المحلي بوصفه جزءًا أصيلًا من نموذج المشروع، إذ يمكن للمجمع أن يصبح نواة لمنظومة صناعية أوسع إذا أتيحت للشركات الأردنية فرص حقيقية في مجالات الهندسة والصيانة والتغليف والنقل والمختبرات والخدمات التقنية، كما أن تأهيل الموردين المحليين وإشراك المشروعات الصغيرة والمتوسطة من شأنهما توسيع أثر المشروع، وضمان بقاء نسبة أكبر من عوائده داخل الاقتصاد بدل تسربها عبر الواردات والخدمات الخارجية.

ولتعميق هذا الأثر، يحتاج المشروع إلى شراكات مع الجامعات ومؤسسات التدريب لتأهيل الكفاءات في الكيمياء الصناعية والهندسة والتشغيل والسلامة والجودة، كما ينبغي ربط العقود التقنية الكبرى ببرامج واضحة لنقل المعرفة، في حين تقدم التجربتان المغربية والسعودية دروسًا مفيدة في ربط التعدين بالتصنيع والبحث والتطوير والبنية التحتية، إلى جانب أهمية كفاءة استخدام الطاقة والمياه وإدارة المخلفات في خفض الكلفة وتعزيز القدرة على دخول الأسواق العالمية.

وبناءً على ذلك، تمثل هذه الشراكة فرصة اقتصادية وصناعية مهمة للأردن، والملاحظات الواردة لا تهدف إلى التقليل من أهميتها، بل إلى تعظيم أثرها وحماية فرص نجاحها، وهو ما يقتضي اعتماد مؤشرات واضحة لقياس المشتريات المحلية، والوظائف الفنية، والصادرات الجديدة، ونسبة المنتجات المتخصصة، وكفاءة استخدام الموارد، والالتزام بالكلفة والجدول الزمني، لأن الاختبار الحقيقي لا يكمن في إنشاء المجمع وحده، بل في تحويله إلى منظومة صناعية تربط الموارد الوطنية بالإنتاج والمعرفة والأسواق، وتجعل من الثروة الطبيعية قاعدة مستدامة لصناعة القيمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :