facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الدبلوماسية السياحية: القوة الناعمة الغائبة عن أولوياتنا


ا.د. إبراهيم الكردي
20-07-2026 12:26 PM

في عالمٍ لم تعد فيه القوة تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القدرات العسكرية، برز مفهوم القوة الناعمة بوصفه أحد أهم أدوات التأثير في العلاقات الدولية. فالدول اليوم تتنافس على كسب ثقة الشعوب، وتعزيز صورتها الذهنية، وبناء مكانتها العالمية من خلال الثقافة، والتعليم، والفنون، والإعلام، والرياضة، والسياحة. ومن بين هذه الأدوات، تبرز الدبلوماسية السياحية باعتبارها إحدى أكثر وسائل القوة الناعمة تأثيرًا واستدامة، إلا أنها ما تزال، في كثير من الأحيان، غائبة عن أولويات السياسات العامة.

فالدبلوماسية السياحية لا تعني مجرد الترويج للمواقع الأثرية أو تنظيم الحملات الإعلانية لجذب الزوار، وإنما هي توظيف السياحة كوسيلة لبناء جسور التواصل بين الشعوب، وتعزيز الصورة الإيجابية للدولة، ودعم الاقتصاد الوطني، وترسيخ الثقة في مؤسساتها، وإبراز هويتها الحضارية والثقافية.

لقد أدركت دول عديدة هذه الحقيقة، فتعاملت مع السائح على أنه ليس مجرد زائر مؤقت، بل شاهد على تجربة، وناقل لصورة، وسفير غير رسمي ينقل ما عاشه إلى أسرته وأصدقائه ومجتمعه. ولذلك، أصبحت التجربة السياحية في تلك الدول جزءًا من استراتيجيتها الوطنية في بناء السمعة الدولية وتعزيز مكانتها العالمية.

أما في الأردن، فإننا نمتلك من المقومات ما يؤهلنا لأن نكون نموذجًا إقليميًا في هذا المجال. فالأردن ليس مجرد بلد يضم مواقع أثرية متميزة، بل هو وطن يجمع بين التاريخ والروحانية، والطبيعة المتنوعة، والأمن والاستقرار، والاعتدال السياسي، والضيافة الأصيلة، والإنسان المؤهل. وهذه عناصر لا تُقاس بقيمتها السياحية فقط، بل بقيمتها الدبلوماسية أيضًا.

ورغم ذلك، ما زلنا نتعامل مع السياحة في كثير من الأحيان باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا منفصلًا، بينما هي في حقيقتها مشروع وطني متكامل، تتقاطع فيه السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم والإعلام. فالصورة التي يحملها السائح عن الأردن قد تكون أكثر تأثيرًا من عشرات الحملات الإعلانية، والتجربة الإيجابية التي يعيشها قد تصبح رسالة تصل إلى آلاف الأشخاص في مختلف أنحاء العالم.

لقد تغيّر العالم، وأصبحت السمعة الدولية للدول تُبنى بقدر كبير من خلال التجارب الإنسانية. فالسائح الذي يشعر بالأمان، ويحظى بحسن الاستقبال، ويلمس جودة الخدمات، ويتفاعل مع المجتمع المحلي، لا يعود إلى بلده بصور جميلة فقط، بل يعود بانطباع إيجابي يتحول إلى رسالة غير مباشرة تعزز مكانة الدولة في الخارج.

ولا يقتصر أثر الدبلوماسية السياحية على زيادة أعداد الزوار، بل يمتد إلى تشجيع الاستثمار، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، ودعم التعليم الدولي، وتنشيط السياحة العلاجية، واستقطاب المؤتمرات والمعارض، وفتح آفاق جديدة للتعاون الثقافي والعلمي. فالصورة الإيجابية للدولة أصبحت عاملًا مؤثرًا في قرارات المستثمر والطالب والباحث ورجل الأعمال، قبل أن تكون عاملًا في قرار السائح.

ومن هنا، فإن الدبلوماسية السياحية لا ينبغي أن تكون مسؤولية وزارة السياحة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها جهود وزارة الخارجية، وهيئة تنشيط السياحة، ووزارة الثقافة، ووزارة التعليم العالي، والجامعات، والبلديات، ووسائل الإعلام، والقطاع الخاص، والمجتمع المحلي. فكل مؤسسة تملك دورًا في صناعة الصورة التي نريد للعالم أن يراها عن الأردن.

كما أن الجامعات الأردنية تستطيع أن تؤدي دورًا محوريًا في هذا المجال، ليس فقط من خلال إعداد الكفاءات السياحية، بل أيضًا عبر تطوير برامج أكاديمية متخصصة في الدبلوماسية السياحية، والتسويق السياحي الدولي، وإدارة الصورة الذهنية للدول، بما ينسجم مع المتغيرات العالمية ومتطلبات الاقتصاد الحديث.

إننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الترويج السياحي إلى مفهوم الدبلوماسية السياحية، ومن تسويق المواقع إلى تسويق التجربة، ومن التعريف بالأردن إلى بناء علامة وطنية راسخة ترتبط في أذهان العالم بالأمن، والضيافة، والجودة، والثقة، والإنسانية.

لقد آن الأوان لأن ننظر إلى كل سائح يزور الأردن باعتباره سفيرًا محتملًا لوطننا، وأن ندرك أن كل تجربة إيجابية يعيشها تمثل استثمارًا طويل الأمد في سمعة الأردن ومكانته الدولية.

فالدبلوماسية السياحية ليست ترفًا فكريًا، ولا شعارًا إعلاميًا، بل أصبحت ضرورة وطنية في عالم تتنافس فيه الدول على بناء الثقة قبل تحقيق الأرباح، وعلى كسب القلوب قبل جذب الاستثمارات.

إن الأردن يمتلك المقومات، ويمتلك الرسالة، ويمتلك التاريخ، وما يحتاجه اليوم هو رؤية وطنية متكاملة تجعل من الدبلوماسية السياحية إحدى ركائز التنمية، وأحد أهم أدوات القوة الناعمة في خدمة الوطن ومستقبله.

* عميد كلية عمون الجامعية التطبيقية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :