ظواهر في الأعراس تستنزف الأسر
د.محمد الرحامنة العبادي
26-07-2026 05:31 PM
في موسم الأعراس، تتزين البيوت بالفرح، وترتفع الدعوات بأن يبارك الله للعروسين ويؤلف بين قلبيهما.
لكن، وفي المقابل، تتكرر كل عام ظواهر اجتماعية باتت تستنزف الأسر، وتُثقل كاهل المجتمع، وتبتعد عن مقاصد الزواج السامية، حتى أصبح من الواجب الوقوف أمامها بكل صراحة ومسؤولية.
لقد تحولت بعض الأعراس إلى مواسم للتفاخر والاستعراض الاجتماعي، وأصبحت قيمة المناسبة عند البعض تُقاس بعدد المدعوين، وحجم الولائم، وعدد الذبائح، وكلفة الحفل، لا بما تحمله من مودة ورحمة وبركة.
إن ما نشهده اليوم ليس كرمًا، بل في كثير من الأحيان إسرافٌ وتكلّفٌ ومغالاةٌ لا يقرها دين ولا عقل.
فكم من أسرة استدانت لتقيم وليمة لا تتناسب مع إمكاناتها، وكم من شاب بدأ حياته الزوجية مثقلًا بالديون، فقط لإرضاء نظرة المجتمع أو مجاراة الآخرين.
والأشد إيلامًا، أن تنتهي كميات كبيرة من الطعام في حاويات النفايات، بينما هناك أسر لا تجد ما يسد حاجتها.
إنها صورة مؤلمة تمثل هدرًا للنعمة، وإساءة لقيمنا الإسلامية والإنسانية، وتناقضًا صارخًا مع قول الله تعالى:
﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
إن الكرم الحقيقي لا يكون بالإفراط في الذبائح، ولا بالمبالغة في أصناف الطعام، ولا بتكديس الموائد بما يفوق حاجة الحضور، وإنما يكون بحسن الضيافة، والاعتدال في الإنفاق، وصون نعم الله من الهدر.
كما أن التوسع غير المبرر في دعوات الأعراس أصبح يفرض على الناس التزامات اجتماعية ومالية مرهقة، حتى غدا البعض يحضر المناسبات مجاملةً وخشيةً من اللوم، لا مشاركةً في الفرح ، وهذا النهج يحتاج إلى مراجعة شجاعة، لأنه لا يخدم المجتمع، بل يزيد من أعبائه.
ومن هنا، فإننا ندعو إلى ثورة مجتمعية هادئة تعيد للأعراس معناها الحقيقي، تقوم على البساطة، والاعتدال، والرحمة بالناس.
وندعو إلى أن تقتصر الدعوات على الأقارب والأرحام والأصدقاء وأصحاب العلاقة، وأن يُكتفى بالتوسع – لمن أراد – في زفاف الابن الأكبر، بينما تكون أفراح بقية الأبناء أكثر بساطة، بعيدًا عن المبالغة والتكلف.
كما ندعو إلى إعداد الولائم بما يتناسب مع عدد الضيوف، والتنسيق مع الجمعيات والمبادرات الخيرية مثل مبادرة المحافظة على النِّعم الذي يقوم عليها الأخ العزيز سلطان الحديدي " ابو عبدالكريم " لنقل فائض الطعام إلى الأسر المحتاجة، بدل أن يُلقى في مكبات النفايات، فحفظ النعمة شكرٌ لله، وهدرها جحودٌ بها.
رسالتنا ليست دعوة إلى البخل، بل دعوة إلى الحكمة ،وليست دعوة إلى تقليل الفرح، بل إلى زيادة البركة، وليست دعوة إلى إلغاء الكرم، بل إلى تصحيح مفهومه.
فلنُدرك جميعًا أن هيبة الإنسان لا تُقاس بعدد الذبائح، ولا مكانته تُبنى على كثرة المدعوين، ولا احترامه يُشترى بالمظاهر، وإنما يُبنى بالأخلاق، والوعي، واحترام ظروف الآخرين.
فلنجعل موسم الأعراس هذا العام بدايةً لتغييرٍ حقيقي، نحفظ فيه النعمة، ونرفع الحرج عن الناس، ونخفف الأعباء عن الشباب والأسر، ونعيد للأفراح قيمتها الأصيلة، القائمة على المودة والرحمة والبساطة.
اللهم بارك لكل عريس وعروس، واجعل أفراحنا عامرةً بالخير، خاليةً من الإسراف والتكلف، وارزقنا شكر نعمك، وحسن استخدامها فيما يرضيك.