facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يصبح الدمج رؤية، لا إجراءً إدارياً


د. ليال عيسوه
19-07-2026 06:34 PM

الإصلاح الإداري لا يبدأ بإعادة توزيع الاختصاصات، بل بإعادة تصميم العلاقة بين مؤسسات الدولة، بحيث تعمل جميعها لتحقيق غاية وطنية واحدة.

في كل مرة يُطرح فيها ملف دمج الوزارات، ينصرف الاهتمام إلى عدد الحقائب، أو أسماء الوزارات، أو توزيع الاختصاصات، وكأن نجاح الإصلاح الإداري يُقاس بالشكل التنظيمي وحده. غير أن التجارب الحديثة تؤكد أن قوة الدولة لا تكمن في عدد مؤسساتها، بل في قدرتها على العمل كوحدة متكاملة، تُحسن توظيف مواردها، وتختصر الوقت، وتحوّل السياسات إلى نتائج ملموسة.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مسار التحديث الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم، والذي لا يقوم على تحديث التشريعات أو إعادة هيكلة المؤسسات بوصفهما غاية، وإنما باعتبارهما وسيلة لبناء إدارة عامة أكثر كفاءة ومرونة، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، والاستجابة لتطلعات المواطن، وتعزيز تنافسية الدولة في عالم تتسارع فيه المتغيرات.

لقد تغيّرت فلسفة الإدارة العامة في العالم. فلم يعد نجاح المؤسسة يُقاس بمدى التزامها بحدود اختصاصها، بل بقدرتها على العمل مع غيرها لتحقيق هدف وطني مشترك. لذلك، لم يعد السؤال: أي وزارة تتولى هذا الملف؟ بل أصبح: كيف تتكامل مؤسسات الدولة لتحقيق النتيجة؟
وهنا يكمن جوهر الإصلاح.

فالوزارة في الدولة الحديثة ليست كيانًا معزولًا، بل جزء من منظومة مترابطة، تتقاطع فيها السياسات، وتتشارك فيها المسؤوليات، وتُقاس فاعليتها بما تحققه من أثر، لا بما تمارسه من اختصاصات.

ولعل العلاقة بين النقل والعمل تمثل مثالًا على هذا التحول في التفكير.

فعلى المستوى الإداري قد يبدوان ملفين منفصلين، لكن على المستوى التنموي يشكلان حلقتين في سلسلة واحدة. فالنقل ليس مجرد طرق ووسائل مواصلات، بل هو الجسر الذي يصل الإنسان بفرصة العمل، ويربط المستثمر بالأسواق، ويُيسر حركة الإنتاج والخدمات، ويخفض الكلف، ويرفع تنافسية الاقتصاد. وفي المقابل، لا يمكن لسوق العمل أن يحقق أهدافه إذا بقي الوصول إلى فرص العمل معقدًا أو مكلفًا أو غير متكافئ بين المحافظات.

وعندما تُبنى السياسات برؤية تكاملية، يصبح النقل رافعة للتشغيل، وتتحول اللوجستيات إلى محرك للنمو والاستثمار، فتُدار التنمية باعتبارها منظومة مترابطة، لا قطاعات منفصلة.
وبالمنطق ذاته، تبرز العلاقة بين الاستثمار والإدارة المحلية بوصفها أحد أهم مفاتيح التنمية خلال المرحلة المقبلة.

فالاستثمار لا يبدأ من قرار مركزي، بل يبدأ من المدينة التي تستقبل المشروع، ومن جودة التخطيط، وكفاءة البنية التحتية، وسرعة الإجراءات، وقدرة الإدارة المحلية على بناء بيئة جاذبة للأعمال. كما أن لكل محافظة ميزات نسبية يمكن أن تتحول إلى فرص اقتصادية حقيقية إذا امتلكت الإدارة المحلية الأدوات والصلاحيات والشراكات اللازمة لاستثمارها.

ومن هنا، فإن التكامل بين الاستثمار والإدارة المحلية لا يعني بالضرورة دمجًا مؤسسيًا، وإنما بناء سياسات مشتركة تجعل المحافظات شريكًا في التنمية، لا متلقيًا لها، وتحوّل التنمية المحلية إلى رافعة للاقتصاد الوطني، بما ينسجم مع رؤى التحديث الاقتصادي في تعزيز التنمية المتوازنة، وتمكين المحافظات، واستثمار الميزة التنافسية لكل منطقة.
ولا يقل هذا التكامل أهمية عند الحديث عن الشباب والثقافة.

ففي عصر الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، لم يعد دور الشباب يقتصر على المشاركة في البرامج والأنشطة، بل أصبحوا القوة القادرة على إنتاج المعرفة، وصناعة المحتوى، وقيادة الابتكار، وتطوير الحلول التي ستشكل اقتصاد المستقبل.

وفي المقابل، لم تعد الثقافة تُختزل في الحفاظ على التراث أو تنظيم الفعاليات، بل أصبحت البيئة التي تُنمي التفكير النقدي، وتعزز الهوية الوطنية، وترسخ قيم الإبداع والانفتاح والمسؤولية.

وعندما تتكامل السياسات في هذين المجالين، لا يعود الشباب متلقين للثقافة، بل يصبحون صُنّاعها، وحملة رسالتها، ومطوري أدواتها، وقادتها نحو المستقبل. وعندها تتحول الثقافة إلى قوة إنتاج، ويصبح الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة، لأن الدول التي تقود المستقبل ليست تلك التي تمتلك الموارد الأكبر، بل تلك التي تمتلك العقول الأكثر قدرة على الإبداع والتكيف مع التحولات.

غير أن نجاح هذه الفلسفة لا يرتبط بقرار الدمج وحده، بل بوضوح الرؤية التي تقوده. فالدمج الذي يقتصر على إعادة توزيع الاختصاصات، دون تطوير السياسات، أو تحديث أساليب العمل، أو بناء مؤشرات تقيس الأثر، سيبقى تغييرًا في الشكل، لا تحولًا في الجوهر.

أما عندما يصبح الدمج جزءًا من مشروع وطني متكامل، فإنه يتحول إلى أداة لتعزيز التنسيق، وتسريع اتخاذ القرار، وتقليل الازدواجية، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين جودة الخدمات، بما ينعكس مباشرة على المواطن والاقتصاد.

إن مستقبل الإدارة العامة لن تحدده أسماء الوزارات، ولا عددها، بل قدرتها على التفكير والعمل كمنظومة واحدة، تتشارك الأهداف، وتتكامل في الأدوار، وتستثمر الموارد بكفاءة، وتستشرف المستقبل بعقل مؤسسي مرن.

فالهيكل الإداري يمكن تعديله كلما اقتضت الحاجة، أما بناء ثقافة حكومية تقوم على التكامل، والعمل المشترك، وصناعة النتائج، فهو مشروع الدولة الحديثة.

وعندما يصبح الدمج جزءًا من هذه الفلسفة، فإنه لا يعود مجرد إجراء إداري، بل خطوة واعية في مسيرة بناء دولة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر تنافسية، وتنمية أكثر استدامة؛ وهي الغاية التي تنسجم مع رؤى جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم في تحديث الدولة، وتعزيز قدرتها على مواكبة المستقبل وصناعة فرصه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :