قبل أيام، اجتمعنا مجموعة من الأصدقاء في سهرة امتدت حتى ساعة متأخرة من الليل. كنا نتنقل بين الأحاديث والذكريات، حتى اقترح أحدنا أن نترك الكلام قليلًا، ونمنح الليل ما يستحقه من طرب.
بدأت الأغنية الأولى...
"واشرح لها..."
وما إن انتهت، حتى جاءت الاغنية الثانية...
"يا سالمة..."
نظر بعضنا إلى بعض، وابتسمنا. لم يكن الأمر مجرد ترتيب عابر في قائمة تشغيل، بل بدا وكأن الأغنيتين تكملان بعضهما بعضًا. الأولى تبحث عمن يحمل الرسالة، والثانية تنادي ذلك الرسول باسمه.
رددنا الكلمات مع فهد بلّان، وضحكنا، وربما أخطأنا في بعض المقاطع، لكن أحدًا لم يكن يهتم. لم نكن نستعرض قوة الذاكرة، بل كنا نستعيد زمنًا كاملًا. زمنًا كانت فيه الأغنية تُحفظ في القلب قبل أن تُحفظ في الهاتف، وكانت تُرافق السفر، وتجلس معنا في البيوت، وتكبر معنا عامًا بعد عام.
تساءلت بعدها: لماذا ما زالت هذه الأغاني تعيش؟
ربما لأنها لم تكن تُصنع لتنافس أغنية الأسبوع، ولا لتتصدر قائمة المشاهدات. كانت تُكتب برويّة، وتُلحَّن بصبر، وتُغنّى بإحساس يجعلها تتجاوز الزمن. لذلك، بعد عشرات السنين، ما زالت قادرة على أن تجمع مجموعة من الأصدقاء حولها، فيرددونها بعفوية، وكأنها خرجت بالأمس.
ولفتتني عبارة "واشرح لها" تحديدًا. كم هي إنسانية! فالمحب، منذ القدم، كان يحتاج إلى من يبلّغ عنه، وإلى من يشرح ما تعجز عنه الكلمات. ثم تأتي "يا سالمة"، وكأنها الإجابة التي انتظرتها الأغنية الأولى، فيكتمل المشهد، وتكتمل الحكاية.
في زمن الرسائل الفورية، لم نعد نطلب من أحد أن "يشرح لها". بضغطة زر تصل الكلمات إلى الطرف الآخر. لكن المفارقة أن كثرة الرسائل لم تجعل التعبير أسهل، ولا المشاعر أوضح. ربما تغيّرت الوسائل، لكن الإنسان بقي هو الإنسان؛ ما زال يبحث عمّن يفهمه، وعمّن ينقل عنه ما يعجز عن قوله.
ذلك الليل لم يكن ليلة استماع إلى أغنيتين قديمتين.
كان رحلة قصيرة إلى زمنٍ كانت فيه الأغنية جزءًا من الوجدان، وكان الطرب يجمع الناس أكثر مما تفرّقهم الآراء، وكانت جلسة الأصدقاء تُقاس بما يتركه الضحك في القلوب، لا بما تلتقطه الكاميرات.
انتهت السهرة، وانطفأت السماعات، وعاد كل واحد منا إلى بيته.
لكن بقي في ذهني سؤال واحد:
هل كنا نستمع إلى فهد بلّان...
أم كنا نستمع إلى شبابنا الذي عاد ليجلس معنا، ولو لدقائق؟
المهم ... الباشا انبسط.