ماهو المطلوب فلسطينياً الان؟ سؤال وجودي يطرح نفسه في خضم عاصفة التحولات
السفير ماهر لوكاشه
26-07-2026 06:26 PM
كيف يمضي الحراك الفلسطيني؟
مقدمة في الإنسانية والاعتراف قبل أن نخوض في صلب هذا السؤال الوجودي، الذي يُطرح اليوم بإلحاح أشد بعد ستين عاماً من النضال، لا بد من توجيه كلمة حق تستحق أن تقال بصوت مسموع وصادق شكراً.
شكراً لكل دولة، وحكومة، وجمعية، ومؤسسة وكل حزب وتجمع سياسي، وكل شعب ومذهب وملة وطائفة وعرق قدم دعماً للقضية الفلسطينية. شكراً لكل من قدم هذا الدعم بأي شكل مادياً كان أو عسكرياً غذائياً أو دوائياً، تقنياً أو تدريبياً، معنوياً أو سياسياً.
وشكراً لمن قدم ودعم القرارات المصيرية في المحافل الإقليمية والدولية، ولمن فتح أرضه واحتضن شعباً فقد كل ما يملك في سبيل البقاء على قيد الحياة.
ولا يفوتنا أن نعتذر باسم الشعب الفلسطيني عن كل خطأ أو زلل او ضرر ارتكب بحق أي دولة أو شعب أو طائفة على امتداد هذه الرحلة الطويلة. فالخطأ بشري، والاعتراف به شجاعة، والاعتذار عنه نبل.
من يُلقي بالحجارة على النافذة؟ هنا، وفي سياق تسليط الضوء على الجراحنطرح سؤالاً جوهرياً وموجعاً: هل يقع اللوم كله على الفلسطينيين، وكأنهم هم من ارتكبوا ذنب احتلال الأرض واغتصابها، ومن ارتكب جرائم القتل والتهجير والتدمير بحق البشر والحجر؟ أم أن المسؤولية الحقيقية تلقي بظلالها على الفاعل الأساسي، وعلى كل من وقف خلفه، وغذّى أطماعه العدوانية، وسانده في خلط الحقائق وتزوير التاريخ لتنفيذ مخططاته، ثم يسعى اليوم لتكريس الأمر الواقع تحت غطاء شرعية زائفة؟
الأمل الراسخ، والرغبة المستكنة في صدور كل فلسطيني وعربي، وكل مسلم ومسيحي، هو أن يعود كل شبر من فلسطين إلى أهلها. غير أننا وفي ظل هذا الجرح النازف الذي لا يبرأ، اضطررنا إلى القبول بتنازلات قاسية ومؤلمة، لا لأننا تخلينا عن الحقوق، بل رغبة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتأمين الحياة الكريمة التي يستحقها الفلسطينيون على أرضهم ونزولاً عند الرغبة والضغوط الدولية. ومع كل ذلك نرى العجرفة والغطرسة الإسرائيلية والغربية تواصل محاولات المراوغة والإلهاء، سعياً حثيثاً لحرمان الفلسطينيين من تحقيق أدنى طموحاتهم المشروعة.
الإجماع المفقود والنتيجة المرة لنكن صريحين مع أنفسنا أولاً: جميع مواطني فلسطين في الداخل والخارج، إضافة إلى جميع المنظمات والأحزاب السياسية والعسكرية، يؤمنون بحل سلمي يقوم على أساس إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، على خطوط الرابع من حزيران عام 1967.
هذا هو الهدف الذي ننتظر تحقيقه منذ ذلك التاريخ، أي منذ ستة عقود كاملة. ستون عاماً من الانتظار. ستون عاماً من المفاوضات والمقاومة والانتفاضات، والهدوء والحروب. ستون عاماً جرّب فيها الفلسطينيون كل شيء سياسياً وعسكرياً، سلمياً ومسلحاً، معروفاً وغير معروف، مألوفاً وغير مألوف محموداً وغير محمود مقبولاً وغير مقبول. والنتيجة واحدة: الفشل الذريع والاحتلال يزداد صلابة.
مفارقة الاتهام والسؤال المؤلم إليكم المفارقة الصارخة التي تكاد تخنق
الأنفاس : إذا برز أي فلسطيني ليدافع عن أرضه وعرضه، إذا رفع صوته احتجاجاً على الظلم، إذا حمل سلاحاً رداً على العدوان، يتهم فوراً بالإرهاب من كل من هب ودب. إقليمياً و ودولياً.
فأي دفاع عن النفس يصبح إرهاباً؟ وأي مقاومة للاحتلال تصبح جريمة؟ وأي رفض للذل يعد خروجاً على القانون؟
هنا نصل إلى لب المعضلة: هل المطلوب من الشعب الفلسطيني أن يتخلص بطريقة ما من غرائزه وعواطفه وأحاسيسه ومشاعره الالهية و الإنسانية؟ هل المطلوب أن يبقى جامداً أمام تدمير منزله ؟ هل المطلوب أن يصمت وهي تحرق أشجاره؟ هل المطلوب أن ينظر وهو يقتل أطفاله؟ هل المطلوب أن يرضى بالخروج من وطنه طوعاً؟ هل المطلوب أن يصفق لمحتليه بكل دم بارد لترضى عنه بقية الخلائق، ويسمحون له باستنشاق الهواء وشرب الماء، ليبقى فقط على قيد الحياة؟
نداء إلى العقلاء: ماذا بعد كل هذا؟ هل هناك من رشيد يعلمنا ما هو الحراك المطلوب فلسطينياً اليوم، بعد كل ما يدور في الشرق الأوسط من تحولات عميقة؟ أي طريق لم يسلكوه ؟ أي خيار لم يجربوه؟ أي تضحية لم يقدموها ؟
هل السلام المفاوضاتي هو الجواب؟ لقد جربوه عقوداً، وكانت النتيجة المزيد من الاستيطان والضم والتهويد.
هل المقاومة السلمية هي الحل ؟ لقد قدموها بدماء الشهداء في مسيرات العودة، فكان الرد الرصاص الحي والقناصة.
هل المقاومة المسلحة هي البديل؟ لقد مارسوها ، فكان الرد الحصار والحروب والدمار الشامل.
أم أن المطلوب هو شيء آخر تماماً؟ أم المطلوب إفناء هذا الشعب شيئاً فشيئاً؟ حتى يندثر الشعب واسمه من الوجود؟ حتى يصبحمن الأمم الغابرة، من يُقرأ عنه في كتب التاريخ
فحسب؟ أهذا هو المطلوب حقاً؟
الخاتمة
إيمان راسخ وضمير حر لنقلها بكل صراحة ووضوح، وبكل ما لدينا من يقين هذا لن يتحقق. ولن يتحقق أبداً، بمشيئة الله العزيز الجبار.
لأن الشعوب الحية لا تموت لأن الحقوق المشروعة لا تضيع
لأن العدل، وإن تأخر، سيأتي يوماً.
ولأن فلسطين من النهر إلى البحر، ستبقى حية في قلوب الملايين، وفي ضمائر الأحرار في كل مكان.
فليبق السؤال مطروحاً بقوة ما هو الحراك
المطلوب ؟
ولتبق الإجابة بحاجة إلى تفكير عميق وجريء بعيداً عن الأنانية والحسابات الضيقة، قريباً من الإنسانية والعدالة والحرية.