facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نابلس وترمسعيا .. إسرائيل تفجّر الصراع وتسوّق نفسها ضحية


الدكتور علي فواز العدوان
26-07-2026 10:51 PM

في الوقت الذي تتحدث فيه إسرائيل عن الأمن والتهديدات الوجودية، تواصل على الأرض تنفيذ سياسة ممنهجة تقوم على الاقتحام والاعتقال والقتل والاستيطان، في مشهد يكشف واحدة من أكثر المفارقات السياسية والإعلامية وضوحاً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: قوة عسكرية هائلة تمارس أقصى درجات العنف، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى الظهور أمام العالم بمظهر الطرف الضعيف والمهدد.

ومن نابلس إلى ترمسعيا، لا تبدو الاعتداءات الإسرائيلية أحداثاً منفصلة عن سياقها، بل جزءاً من سياسة متصاعدة تهدف إلى إبقاء الضفة الغربية في حالة توتر دائم، ومنع تشكل أي واقع سياسي أو أمني يمكن أن يقود إلى تهدئة حقيقية أو إلى إعادة إطلاق مسار سياسي جاد.

فالاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إدارة حالة الصراع نفسها وكلما اقتربت القضية الفلسطينية من العودة إلى مركز الاهتمام الدولي باعتبارها قضية احتلال وحقوق شعب، جرى دفع المنطقة نحو موجة جديدة من التصعيد، لإعادة تحويل النقاش من أصل المشكلة إلى نتائجها.

وهنا تكمن خطورة الرواية الإسرائيلية.
إسرائيل تريد للعالم أن يرى الصاروخ، ولا يرى الاحتلال؛ أن يرى رد الفعل، ولا يرى الأسباب؛ أن يسمع خطاب الأمن، ولا يسأل عن الاستيطان والتهجير والاعتداءات اليومية.
إنها محاولة لإعادة ترتيب الحقائق، بحيث يتحول المعتدي إلى طرف يدافع عن نفسه، بينما يُطلب من الضحية أن تشرح أسباب مقاومتها للاحتلال.

والمفارقة أن إسرائيل، التي تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخبارياً وتقنياً هائلاً، توظف خطاب الضعف بصورة سياسية وإعلامية متعمدة. فكلما تصاعدت الانتقادات الدولية لسياساتها، عادت إلى تقديم نفسها باعتبارها دولة صغيرة محاصرة تواجه أخطاراً وجودية.

إنه الضعف بوصفه أداة قوة.
فالظهور بمظهر المهدد يتيح لإسرائيل الحصول على مساحة أكبر من التعاطف السياسي والإعلامي، ويمنحها فرصة لتبرير عملياتها العسكرية، وإعادة تقديم الحرب باعتبارها معركة دفاع، حتى عندما تكون الوقائع على الأرض تقول شيئاً مختلفاً تماماً.

غير أن هذه السياسة لا تقف عند حدود الضفة الغربية. فالتصعيد في نابلس وترمسعيا، بالتزامن مع استمرار الحرب والدمار في غزة، يفتح الباب أمام احتمالات إقليمية خطيرة. فالضفة الغربية تمثل واحدة من أكثر نقاط التماس حساسية، وأي انفجار واسع فيها قد يؤدي إلى انتقال المواجهة من نطاقها المحلي إلى فضاء إقليمي أكثر اتساعاً.

وكلما اتسعت دائرة العنف، ازدادت صعوبة السيطرة على تداعياته. فالأمن لا يُبنى على الاقتحامات، والاستقرار لا ينتج عن الاستيطان، والسلام لا يمكن أن يولد من سياسة تقوم على إلغاء الآخر وحرمانه من حقوقه الأساسية.

وفي الداخل الإسرائيلي، لا يمكن فصل التصعيد عن الأزمات السياسية والاجتماعية المتراكمة. فالحكومات التي تواجه انقسامات داخلية حادة قد تجد في استمرار حالة الطوارئ والصراع وسيلة لإعادة توحيد المجتمع حول الخطر الخارجي، وتأجيل الأسئلة الداخلية المتعلقة بالمسؤولية والفشل والخيارات السياسية.

لكن الرهان على القوة وحدها يحمل في داخله بذور الفشل. فالعالم لم يعد يعتمد على الرواية الرسمية وحدها، ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت الصورة تنتقل من الميدان إلى ملايين الناس خلال دقائق. ولم يعد من السهل دائماً إخفاء حقيقة ما يجري خلف اللغة السياسية الناعمة والبيانات الأمنية.

لقد أصبحت المعركة اليوم معركة مزدوجة: معركة على الأرض، ومعركة على الرواية.
وإذا كانت إسرائيل تحاول استخدام القوة لفرض واقع جديد، فإنها تحاول في الوقت نفسه استخدام الإعلام لإعادة تفسير هذا الواقع. غير أن استمرار الفجوة بين ما يحدث على الأرض وما يُقال في الإعلام لن يؤدي إلى إلغاء الحقيقة، بل إلى تعميق أزمة الثقة الدولية.

إن ما يجري في نابلس وترمسعيا ليس مجرد تصعيد عابر، بل مؤشر على أن الاحتلال يواصل الدفع بالمنطقة نحو حافة انفجار جديد، في الوقت الذي يحاول فيه تقديم نفسه باعتباره الطرف الذي يخشى الانفجار.

وهنا لا بد من القول بوضوح: لا يمكن بناء أمن دائم فوق الاحتلال، ولا يمكن صناعة سلام من خلال الاستيطان، ولا يمكن أن يتحول المعتدي إلى ضحية بمجرد امتلاكه آلة إعلامية أكثر قوة.

إن استمرار الاحتلال في تفجير الصراع ثم تسويق نفسه باعتباره ضحية، لن يؤدي إلا إلى إطالة عمر الأزمة، وتعميق الكراهية، وتوسيع دائرة العنف.
أما الحل الحقيقي، فيبدأ من الاعتراف بجوهر المشكلة: إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، واحترام حقوق الشعب الفلسطيني، والعودة إلى مسار سياسي جاد يضع حداً لسياسة إدارة الصراع التي أثبتت، على مدى عقود، أنها لا تنتج سلاماً، بل تؤجل الانفجار.

فما يجري اليوم في نابلس وترمسعيا قد يكون، في ظاهره، عملية عسكرية جديدة، لكنه في جوهره جزء من معركة أكبر على مستقبل المنطقة، وعلى من يملك حق كتابة الرواية.
وفي هذه المعركة، قد تستطيع إسرائيل أن تفرض الصمت بالقوة لبعض الوقت، لكنها لن تستطيع إلى الأبد أن تقنع العالم بأن الاحتلال هو الضحية، وأن من يعيش تحت الاحتلال هو مصدر الخطر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :