اقتصاد الوظائف الحرجة: من خلق الوظائف إلى بناء القدرة على التشغيل
د. حمد الكساسبة
26-07-2026 10:53 PM
لماذا تنجح بعض الدول في تحقيق نمو مستدام، وخفض البطالة، وتحسين مستوى معيشة مواطنيها، رغم أنها لا تمتلك موارد طبيعية استثنائية أو أسواقًا واسعة؟ ولماذا تتعثر دول أخرى رغم ما تنفقه على المشروعات والتعليم والتشغيل؟ لقد قدّم الفكر الاقتصادي إجابات مهمة ترتبط بالاستثمار، والإنتاجية، ورأس المال البشري، والتكنولوجيا، وجودة المؤسسات، وهي عوامل لا غنى عنها لفهم قوة الاقتصادات. لكن تعقّد الاقتصاد الحديث يضع أمامنا سؤالًا إضافيًا: هل تتساوى جميع الوظائف في قدرتها على تحويل الموارد والاستثمارات إلى نمو وفرص عمل وحياة أفضل؟
كل وظيفة لها قيمتها الاجتماعية والاقتصادية، غير أن الوظائف لا تتساوى في اتساع أثرها. فهناك وظيفة تنتج سلعة أو تقدم خدمة محددة، وينتهي أثرها المباشر عند حدود المؤسسة التي تعمل فيها، بينما توجد وظائف أخرى ينعكس أداؤها على قطاعات عديدة في الوقت نفسه. فالاقتصاد الحديث ليس مجموعة مؤسسات تعمل بصورة منفصلة، بل شبكة مترابطة تعتمد كل حلقة فيها على كفاءة الحلقات الأخرى. وحين يتعطل موقع مؤثر داخل هذه الشبكة، لا تبقى المشكلة محصورة فيه، بل تنتقل كلفتها إلى الإنتاج والاستثمار والتجارة والتشغيل والأسعار.
يمكن رؤية ذلك بوضوح في التخليص الجمركي والخدمات اللوجستية. فتحسين هذه الوظائف لا يرفع كفاءة الموانئ والمعابر وحدها، بل يخفض زمن وصول المواد الأولية، ويقلل كلفة التخزين، ويساعد المصانع على الالتزام بمواعيدها، ويمنح المصدرين قدرة أكبر على المنافسة. والأمر نفسه ينطبق على أنظمة الدفع، وتحليل البيانات، والصيانة المتخصصة، والأمن السيبراني، وإدارة سلاسل الإمداد. فهذه الوظائف قد لا تكون الأكبر عددًا أو الأعلى ظهورًا، لكنها تعمل في مواقع يتسع منها الأثر ليصل إلى آلاف المنشآت والعمال والمستهلكين.
ومن هنا يظهر مفهوم الوظائف الحرجة؛ وهي الوظائف التي لا تقتصر قيمتها على ما تنتجه مباشرة، بل تمتد إلى ما تمنحه لبقية الاقتصاد من قدرة على العمل والنمو. فالوظيفة الحرجة تزيل اختناقًا، أو تختصر وقتًا، أو تخفض كلفة، أو تحسن قرارًا، أو تربط بين حلقات كانت تعمل بكفاءة منخفضة. وهي ليست حرجة لمجرد أن الطلب عليها مرتفع، ولا لأنها أكثر مكانة من غيرها، بل لأن تحسينها أو ضعفها يترك أثرًا مضاعفًا عبر قطاعات عديدة. وبذلك تصبح أهميتها مرتبطة بموقعها داخل الاقتصاد، لا بعدد العاملين فيها فقط.
هذا المدخل لا يستبدل مفاهيم الاستثمار والإنتاجية ورأس المال البشري، بل يساعد على توجيهها بصورة أدق. فحين تكون الموارد محدودة، لا يكفي أن نسأل كم ننفق على التدريب، أو كم مشروعًا نمول، أو كم فرصة عمل نعلن عنها، بل يجب أن نسأل: أين ينبغي أن نضع الموارد حتى يتسع أثرها؟ وقد يكون تدريب عدد محدود من العاملين في وظيفة ذات أثر واسع أكثر نفعًا من برامج كبيرة لا ترتبط بحاجات الإنتاج. كما قد يكون تطوير إجراء اقتصادي أو خدمة لوجستية أكثر أثرًا من مشروع مرتفع الكلفة لا يزيل أي عائق حقيقي أمام نمو الأعمال.
وتزداد أهمية هذا المنظور في اقتصاد محدود الموارد مثل الاقتصاد الأردني، حيث لا تسمح الإمكانات بتوزيع الإنفاق على جميع الأولويات بالدرجة نفسها. فالتحدي ليس فقط في توفير مزيد من الموارد، بل في رفع أثر كل دينار يُنفق، وكل مهارة تُبنى، وكل استثمار يُنفذ. ومن هنا يمكن أن تساعد الوظائف الحرجة في تحديد المواقع التي يؤدي تطويرها إلى تحسين أداء قطاعات متعددة، سواء في الصناعة أو الزراعة أو السياحة أو التكنولوجيا أو الخدمات. فالدولة محدودة الموارد لا تستطيع أن تنافس بحجم الإنفاق، لكنها تستطيع أن تنافس بجودة الاختيار ودقة توجيه الاستثمار.
ومن هذه الزاوية أيضًا، يمكن إعادة النظر في معالجة البطالة. فالمشكلة لا تُحل بصورة مستدامة بمجرد إيجاد وظيفة مؤقتة للعاطل، ولا بزيادة أعداد العاملين في أنشطة محدودة الإنتاجية، بل ببناء الوظائف التي تجعل الاقتصاد نفسه أكثر قدرة على التشغيل. فالوظيفة التي تساعد منشأة على التوسع، أو تفتح أمامها سوقًا جديدة، أو تخفض كلفة إنتاجها، أو تحسن إدارتها للمعلومات، لا توفر دخلًا لشخص واحد فقط؛ بل ترفع قدرتها على توظيف آخرين. وبذلك تتحول الوظيفة من فرصة تشغيل منفردة إلى نقطة انطلاق لفرص عمل إضافية.
هذا هو الفرق بين إدارة البطالة وبناء القدرة على التشغيل. فالأولى تبحث عن وظائف تستوعب أعدادًا في المدى القصير، بينما الثانية تبني اقتصادًا يولد الوظائف بصورة مستمرة. ولا يعني ذلك تجاهل البرامج العاجلة أو الوظائف كثيفة العمالة، لكنها تظل أكثر فاعلية عندما ترتبط بمنظومة إنتاج قادرة على الاستمرار والتوسع. فالتشغيل الحقيقي لا يتحقق بقرار إداري وحده، وإنما ينشأ حين تجد الشركات سببًا اقتصاديًا للنمو، وحين تصبح تكلفة التوسع أقل، والأسواق أوسع، والمهارات المتاحة أكثر ارتباطًا بحاجاتها.
ويمتد أثر ذلك إلى مستوى معيشة الناس. فعندما ترتفع كفاءة الوظائف التي تحرك الاقتصاد، تنخفض كلفة ممارسة الأعمال، وتتحسن جودة الخدمات، وتزداد قدرة المنشآت على المنافسة والاستثمار. وحين يقترن ارتفاع الإنتاجية بتوسع الأعمال والمنافسة العادلة، يصبح النمو أكثر قدرة على الوصول إلى دخل الأسرة، واستقرار الوظيفة، ونوعية الخدمات، والأسعار التي يدفعها المواطن. لذلك فإن تحسين مستوى المعيشة لا يبدأ دائمًا من زيادة الإنفاق أو الأجور بصورة منفصلة، بل قد يبدأ من إصلاح الوظائف والمواقع التي تحدد كفاءة الاقتصاد كله.
كما يفرض هذا المفهوم مراجعة العلاقة بين التعليم وسوق العمل. فالسؤال لم يعد كم خريجًا نُخرج كل عام، بل ما المهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد حتى ينمو ويوفر وظائف أفضل؟ وقد يعاني الاقتصاد فائضًا في بعض التخصصات، وفي الوقت نفسه يواجه نقصًا في وظائف محدودة العدد لكنها ضرورية لتوسع قطاعات كاملة. وهنا يصبح دور الجامعات والمعاهد ومؤسسات التدريب أعمق من الاستجابة للوظائف الشاغرة الحالية؛ إذ يتعين عليها المساهمة في بناء القدرات التي سيحتاج إليها الاقتصاد في المستقبل، وربط مخرجاتها بالمواقع التي تتولد منها القيمة وفرص التشغيل.
إن اقتصاد الوظائف الحرجة لا يدعو إلى ترتيب الناس أو المهن بحسب الأهمية، بل إلى ترتيب الأولويات الاقتصادية بحسب الأثر. وهو يضيف إلى التخطيط سؤالًا بسيطًا لكنه حاسم: ما الوظائف التي يؤدي تطويرها إلى جعل بقية الوظائف أكثر إنتاجية، والاستثمارات أكثر كفاءة، والاقتصاد أكثر قدرة على خلق الفرص؟ وفي واقع مثل الأردن، لا يجوز أن يبقى السؤال: كم وظيفة أنشأنا؟ بل يجب أن يمتد إلى: كم وظيفة بنينا تستطيع أن تفتح الطريق أمام أعمال جديدة، وأجور أفضل، وحياة أكثر استقرارًا؟ فالدول لا تتقدم بكثرة الوظائف وحدها، وإنما بقدرتها على اكتشاف الوظائف التي تجعل الاقتصاد كله يعمل بصورة أفضل.