facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المنابر الجديدة


رمزي الغزوي
27-07-2026 12:32 AM

لم يعد الإنسان في عصرنا يبحث عن نافذة يطل منها على العالم، فقد أصبح هو النافذة والمنبر والجمهور في آن واحد. يكفي أن يفتح هاتفه حتى يجد العالم كله ينتظر كلمته، أو هكذا يتوهم. لم يعد الصمت فضيلة سهلة، ولا الإصغاء مهارة مطلوبة، فقد انقلبت المعادلة القديمة رأساً على عقب؛ لم نعد نتزاحم لنسمع بعضنا بعضاً، وإنما ليتسع الضجيج لأصواتنا جميعاً. حتى بدا الأمر وكأن البشرية قررت أن تتكلم دفعة واحدة، وأن تؤجل مهمة الاستماع إلى أجل غير مسمى.

في العصر الشفوي، كان للكلمة هيبتها. كانت تشبه عود الثقاب؛ تشتعل مرة واحدة، فإن أخطأت إشعالها فلن تعود كما كانت. لذلك، كان الإنسان مطالباً أولاً بأن يكون أذناً جيدة قبل أن يكون لساناً فصيحاً. تقاربت البيوت، وتجاورت الأرواح، وجلس الناس وجهاً لوجه يقتسمون الحكايات والضحكات والاختلافات. وكان للبيان سحره؛ فمن الكلام ما كان يأخذك إليه طائعاً، ومنه ما كان يدفعك إلى الفرار قبل أن يبلغ صاحبه تمام جملته.

ثم جاء عصر المنصات، فصار لكل واحد منا منصته الخاصة. وإذاعة نفسه، وصحيفتها، ومسرحها الذي لا تنطفئ أضواؤه. ذات يوم كتب أحدهم ساخراً من آخر: «يخلف على مارك زوكربيرغ الذي جعلك تعرف الكتابة»، فجاءه الرد أكثر سخرية: «يعني حضرتك كنت تكتب قبل الفيسبوك، وكان لك صوت يطلع إلا في الحمّام!». وفي هذه المفارقة الساخرة شيء كثير من الحقيقة؛ فما منحته التكنولوجيا لنا ليس القدرة على الكلام، وإنما القدرة على تضخيمه.

لقد أصبحنا نعيش زمناً يشعر فيه الجميع بأهمية استثنائية. البوستات مجانية، والإعجابات مجاملة متبادلة، حتى غدا «اللايك باللايك» ضرباً جديداً من الاقتصاد العاطفي. وما كان يحتاج زمناً من المعرفة والتجربة والكدح، صار يحتاج إلى صورة جميلة وجملة لامعة وتوقيت مناسب للنشر. الجميع يتحدث، والجميع يعلّق، والجميع يظن أن لديه ما يستحق أن يقال.

وفي مفارقة أخرى، كلما اقتربنا افتراضياً، ازددنا تباعداً إنسانياً. نحن اليوم أكثر التصاقاً بشاشاتنا، وأبعد ما نكون عن بعضنا بعضاً. ما زالت أشواكنا تؤذينا كما كانت، غير أنها أصبحت أسرع وصولاً وأوسع انتشاراً. لم تعد الكلمة تؤلم شخصاً يجلس قبالتنا، وإنما قد تصيب آلافاً لا نرى وجوههم ولا نعرف أسماءهم.

جميل أن يكون لكل إنسان صوته، وأن يمتلك حريته في التعبير عن ذاته. غير أن المشكلة لا تبدأ حين نتكلم، وإنما حين ننسى فضيلة الإصغاء. فليس كل ما يُنشر يستحق أن يُقرأ، وليس كل ما يُصفق له جديراً بالبقاء. إن قيمة الكلمة لم تكن يوماً في كثرتها، وإنما في أثرها، ولم يكن الوعي بعدد المنصات التي نمتلكها، وإنما بقدرتنا على أن نعرف متى نتكلم، ومتى نصمت، ومتى ننصت.

فأخطر ما صنعته المنصات أنها أقنعتنا بأن لنا جمهوراً دائماً، فيما الحقيقة الأكثر تواضعاً تقول إن الإنسان لا يكبر بما يقوله عن نفسه، وإنما بما يتركه من أثر في عقول الآخرين وقلوبهم. وما بين ضجيج الكلام وحكمة الإصغاء، ما زال السؤال القديم ينتظرنا جميعاً: لسنا بحاجة إلى أن نسأل كم مرة تكلمنا، وإنما ماذا قلنا حين كان للكلمة ما يستحق أن يُقال.

الدستور





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :