أنبوب الغاز المغربي- النيجيري .. بين الإنضمام الإفريقي ورهانات الصحراء المغربية
د. آمال جبور
27-07-2026 09:36 AM
بعد نحو عشر سنوات من إطلاق فكرته، لم يعد أنبوب الغاز المغربي - النيجيري مشروعا بين دولتين فقط، بل أصبح مشروعا تتبناه دول غرب إفريقيا. فالمبادرة التي ولدت عام 2016 بين الرباط وأبوجا، تجد نفسها اليوم أمام مرحلة جديدة، بعدما تحولت إلى مشروع إقليمي يحمل رهانات تتجاوز نقل الغاز إلى بناء شبكة من المصالح الاقتصادية داخل القارة الإفريقية.
وهنا تكمن أهمية التوقيع الذي شهدته قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) في فريتاون قبل أيام، والذي منح المشروع غطاء سياسيا ومؤسساتيا جديدا، وأدخله مرحلة مختلفة.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا يعني هذا التحول بالنسبة للمغرب، وبالنسبة لملف الصحراء المغربية؟
في رأيي، أول ما يعنيه هذا التحول هو أن المشروع لم يعد مجرد فكرة. بل دخل مرحلة الترتيبات المؤسسية تمهيدا للانتقال إلى التنفيذ، أي أن المشروع يتحرك، ولو تدريجيا، نحو الواقع.
وثانيا، يعني أن المغرب نجح في تحويل مشروع ثنائي إلى مشروع إفريقي. فبانضمام دول غرب إفريقيا، أصبح المشروع جزءا من رؤية إفريقية أوسع، وهو تطور مهم، إذ لم يعد مجرد خط أنابيب لنقل الغاز، بل شراكة طويلة الأمد تقوم على المصالح الاقتصادية والتنمية المشتركة. فالتجارب تقول أن نجاح المشاريع العابرة للحدود لا يرتبط بالتمويل فقط، بل يحتاج إلى توافق سياسي وبيئة أمنية مستقرة، خاصة في منطقة تواجه تحديات وبؤر توتر، وإلى قناعة مشتركة بأن نجاحه سيعود بالنفع على الجميع. وبرأيي، هنا تكمن أهمية التحول الذي شهده المشروع.
ثالثا، الأرقام التي كشفتها تقارير رسمية، تكشف حجم المشروع. فهو يمتد لنحو 6800 كيلومتر، ويعبر 13 دولة مطلة على المحيط الأطلسي، قبل أن يرتبط بشبكة الغاز الأوروبية عبر المغرب. كما سينقل نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، وسيخدم قرابة 400 مليون نسمة. لكن أهمية المشروع لا تكمن في هذه الأرقام فقط، بل في الفلسفة التي يقوم عليها، وهي بناء سوق إفريقية أكثر تكاملا، وتعزيز أمن الطاقة، وخلق فرص للتصنيع بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
ولهذا السبب، وصف عدد من الخبراء الأفارقة المشروع بأنه تحول في النموذج الاقتصادي للقارة. فبدل أن تستخرج إفريقيا ثرواتها ثم تعود إليها في صورة منتجات مرتفعة الكلفة، يفتح المشروع الباب أمام تصنيع الموارد داخل القارة، ويمنح الدول الإفريقية قدرة أكبر على التفاوض مع الأسواق العالمية.
ومن هنا، يصبح الربط مع ملف الصحراء المغربية أكثر وضوحا.
ففي السنوات الأخيرة، لم يعد المغرب يكتفي بإدارة هذا الملف عبر الدبلوماسية، بل بدأ يعززه بمشاريع اقتصادية كبرى، مثل ميناء الداخلة الأطلسي، والمبادرة الأطلسية، ومشاريع الربط مع دول الساحل، واليوم يأتي أنبوب الغاز... بالتالي كلها مشاريع تسير في اتجاه واحد، وهو جعل الأقاليم الجنوبية في الصحراء المغربية بوابة للتجارة والطاقة والاستثمار بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا.
وهنا يظهر تداخل مهم لمسارين؛ فأنبوب الغاز يأتي في مرحلة يشهد فيها ملف الصحراء المغربية تحولات سياسية مهمة، كان آخرها قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي عزز مقاربة الحل السياسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا للتسوية، ما يمنح الأقاليم الجنوبية أدوارا اقتصادية متزايدة داخل محيطها الإفريقي.
وبرأيي، هذه هي المقاربة الجديدة التي يعتمدها المغرب؛ فبدل أن يبقى ملف الصحراء محصورا في النقاشات السياسية والدبلوماسية، يعمل على ربطه بمشاريع اقتصادية وتنموية مشتركة بين الدول. وهنا تصبح الجغرافيا جزءا من شبكة للمصالح، وتكتسب الأقاليم الجنوبية قيمة استراتيجية، كما تنسجم هذه المقاربة مع عقيدة "رابح-رابح" التي يقوم عليها الحضور المغربي في إفريقيا، في مرحلة تشهد فيها القارة إعادة تشكيل الشراكات بين قوى دولية مختلفة.
وبالتالي، لا يعني ذلك أن المشروع سيكون خاليا من التحديات. فكما تشير التقارير، يبقى التمويل أحد أبرز التحديات، إلى جانب كلفة التنفيذ، وتأمين مسار الخط، والمنافسة مع مشاريع أخرى في المنطقة. لكن الجديد هو أن المشروع لم يعد مجرد فكرة و إعلان سياسي، بل أصبح يمتلك إطارا قانونيا، ودعما إقليميا، وخريطة طريق واضحة للانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
في اعتقادي، فإن أكبر مكسب حققه المغرب حتى الآن ليس مدّ أنبوب غاز فقط، وإنما بناء تحالف اقتصادي إفريقي حول مشروع استراتيجي ينسجم مع رؤيته لمسار ملف الصحراء المغربية. ويأتي ذلك في سياق تحولات شهدتها مواقف عدد من الدول الإفريقية مؤخرا، في دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا لتسوية النزاع. وعليه يبدو أن البعد التنموي والاقتصادي والأمني أصبح حاضرا إلى جانب المسار السياسي، فيما باتت المصالح المشتركة عاملا أساسيا في بناء الشراكات الإقليمية.
ولهذا، فإن ما جرى في فريتاون قبل أيام، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبرا في قطاع الطاقة فقط، بل باعتباره مؤشرا على تحول أوسع في السياسة المغربية داخل إفريقيا. ويبدو أن المشاريع الاقتصادية الكبرى، مثل الموانئ وخطوط الغاز والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد، باتت تشكل أحد المسارات التي يعتمدها المغرب إلى جانب الدبلوماسية التقليدية لتعزيز شراكاته مع دول القارة.
وربما لهذا السبب، لم يعد أنبوب الغاز المغربي- النيجيري مجرد مشروع للطاقة، بل مسارا يربط التنمية بالبعد السياسي، ويفتح أمام الأقاليم الجنوبية أدوارا استراتيجية جديدة داخل محيطها الإفريقي.
ويبدو أيضا، أن أزمة الممرات البحرية في الشرق الأوسط، من مضيق هرمز إلى باب المندب، قدمت درسا واضحا للدول الإفريقية حول أهمية بناء مشاريع إقليمية تعزز أمنها الاقتصادي. و هنا، يبرز أنبوب الغاز المغربي-النيجيري كفرصة لتعزيز اندماج غرب إفريقيا، وتحويل موقعها الأطلسي إلى رافعة للتنمية، بما يفتح أمام الأقاليم الجنوبية أدوارا اقتصادية واستراتيجية أكبر.
وما يلفت الانتباه أن هذا الانضمام يعكس انتقالا من منطق الاصطفافات الإيديولوجية، الذي طبع دول المنطقة لعقود، وأثر في مسار تسوية نزاع الصحراء المغربية المستمر منذ خمسة عقود،إلى منطق المصالح المشتركة. فهل تمثل هذه بداية مرحلة جديدة في إفريقيا، تصبح فيها المشاريع الاستراتيجية هي التي تعيد رسم العلاقات بين الدول؟