قانون الإدارة المحلية .. لامركزية في العنوان، ومركزية في التفاصيل؟
المهندس احمد الغزو
27-07-2026 12:07 PM
* تعقيب على مقال المهندس فوزي مسعد
كل الاحترام للمهندس فوزي مسعد على هذا الطرح الذي فتح باباً مهماً للنقاش حول مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، خصوصاً في ما يتعلق بمستقبل مجالس المحافظات، وتداخل الصلاحيات، وغياب الموارد عن الجهة التي يُطلب منها أن تقرر وتتحمل المسؤولية.
لكنني، وأنا أتفق مع كثير مما ورد في المقال، أرى أن هناك أسئلة جوهرية لم تأخذ حقها من النقاش، وأهمها:
ماذا فعل مشروع القانون برئيس البلدية المنتخب؟ ومن يملك القرار التنفيذي الحقيقي داخل البلدية؟
الحكومة تقول إن المشروع يحافظ على الانتخاب المباشر لرئيس المجلس البلدي وأعضائه، وتقول في الوقت ذاته إن المدير التنفيذي سيقود الجهاز الإداري والتنفيذي، وإن رئيس البلدية ستُوسع صلاحياته في متابعة الخدمات والمشاريع والتنسيق مع الجهات الرسمية والمجتمع المحلي. كما أن شروط تعيين المدير التنفيذي ومهامه وصلاحياته وإنهاء خدماته ستحدد بموجب نظام.
وهنا تحديداً يجب أن نتوقف.
أنا لست ضد المدير التنفيذي، ولا ضد الإدارة المهنية، بل أرى أن البلدية الحديثة تحتاج إلى جهاز مهني قادر على التخطيط والتنفيذ والتحول الرقمي.
لكن المهنية شيء، وتفريغ القرار المنتخب من مضمونه شيء آخر.
إذا كان رئيس البلدية يستمد شرعيته من صندوق الاقتراع، فلا يجوز أن تكون شرعيته الانتخابية أكبر من أدواته التنفيذية.
وإذا كان المدير التنفيذي هو الذي يقود الجهاز الإداري والتنفيذي، فعلينا أن نسأل بوضوح:
من يعيّنه؟
من يحاسبه؟
من يملك قرار إنهاء خدماته؟
من يحدد أولوياته؟
ومن يتحمل أمام المواطن مسؤولية قراراته؟
هذه ليست أسئلة هامشية، بل هي جوهر اللامركزية.
والأخطر من ذلك كله هو الإفراط في إحالة التفاصيل الجوهرية إلى الأنظمة والتعليمات اللاحقة.
الحكومة أعلنت أن إقرار القانون سيعقبه تعديل أكثر من عشرين نظاماً مرتبطاً به.
وهنا علينا أن نتساءل:
إذا كانت الصلاحيات الحقيقية، وآليات الإدارة، وشروط التعيين، وحدود الاختصاص، والعلاقة بين المنتخب والمعين، ستُحسم لاحقاً عبر هذا الكم من الأنظمة، فأين استقرار القاعدة القانونية؟ وأين الضمانة بأن لا تعود المركزية من الباب الخلفي؟
القانون يجب أن يحسم جوهر السلطة والصلاحية والمسؤولية، لا أن يترك أهم مفاصل الحكم المحلي رهينة لأنظمة تصدر لاحقاً.
فلا يكفي أن نكتب في القانون كلمة “لامركزية”، ثم نضع مفاتيحها في أنظمة تصدرها السلطة المركزية.
ولا يكفي أن ننتخب رئيس البلدية، ثم نعطيه صلاحيات محدودة، ونضع إلى جانبه مديراً تنفيذياً تقرر الأنظمة تفاصيل سلطته، ونبقي للوزارة أدوات واسعة في التنظيم والرقابة والمتابعة.
عندها نكون أمام انتخابات حقيقية في شكلها، ولكن محدودة الأثر في مضمونها.
وهنا أخشى أن تتحول الانتخابات إلى انتخابات صورية من حيث أثرها على القرار؛ نذهب إلى صندوق الاقتراع، ونختار رئيس البلدية، ثم نكتشف بعد ذلك أن جزءاً كبيراً من أدوات القرار ليس بيده.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في أي تجربة لامركزية:
أن تعطي المواطن حق الانتخاب، ثم لا تعطي من انتخبه القدرة على تنفيذ ما انتُخب من أجله.
نحن لا نريد رئيس بلدية منتخباً يتحول إلى عنوان اجتماعي وسياسي، بينما تكون مفاتيح الإدارة اليومية خارج ولايته.
ولا نريد مديراً تنفيذياً يتحول إلى مركز قوة موازٍ لرئيس البلدية.
ولا نريد وزارة تتحول، بحكم الأنظمة والتعليمات والموافقات والتفاصيل التنفيذية، إلى صاحب القرار الفعلي في بلديات يفترض أنها وحدات حكم محلي.
نريد معادلة واضحة:
مجلس بلدي منتخب يضع السياسات ويقرر، ورئيس بلدية منتخب صاحب ولاية حقيقية، ومدير تنفيذي مهني ينفذ ضمن صلاحيات محددة بالقانون، ووزارة تمارس الرقابة والتنظيم لا الوصاية، ومواطن يعرف في النهاية من يحاسب.
أما أن تتوزع الصلاحيات بين الرئيس والمجلس والمدير التنفيذي والوزارة والأنظمة والتعليمات، ثم تتوزع المسؤولية عند الخطأ بين الجميع، فهذه ليست حوكمة؛
هذه وصفة مثالية لضياع المسؤولية.
تقوية البلديات لا تكون بمنحها صلاحيات إضافية على الورق، وإنما بمنحها قراراً حقيقياً وموارد حقيقية وأجهزة تنفيذية حقيقية.
فالبلدية التي لا تملك قرارها، ولا مواردها، ولا جهازها التنفيذي المستقل مهنياً، ولا رئيساً منتخباً يملك أدوات تحقيق ما وعد به الناس، لا يمكن أن تكون وحدة حقيقية للحكم المحلي مهما كانت عبارات القانون جميلة.
والأخطر أن نخرج من مركزية الوزارة إلى مركزية إدارية داخل البلدية نفسها؛ فنكون قد غيرنا عنوان السلطة، ولم نغير فلسفتها.
أما مجالس المحافظات، فالنقاش حولها مشروع ومطلوب، لكن القضية أوسع من إلغائها أو الإبقاء عليها.
القضية هي: ماذا نريد من الإدارة المحلية أصلاً؟
هل نريد لامركزية حقيقية؟
إذا كان الجواب نعم، فعلينا أن نعيد بناء المنظومة على قاعدة لا تحتمل التأويل:
من ينتخب يجب أن يملك صلاحية حقيقية.
ومن يملك الصلاحية يجب أن يملك الموارد.
ومن يملك الموارد يجب أن يتحمل المسؤولية.
ومن يتحمل المسؤولية يجب أن يكون قابلاً للمساءلة.
هذه هي اللامركزية ببساطة.
أما أن ننتخب رئيساً، ثم نضع الصلاحيات في يد جهاز معين، ثم نترك تفاصيل العلاقة لأنظمة لاحقة، ثم نبقي الوزارة صاحبة اليد العليا في التنظيم والرقابة والمتابعة، فماذا بقي من اللامركزية سوى الاسم؟
لقد آن الأوان أن نتوقف عن إنتاج قوانين توزع الصلاحيات على أكثر من جهة، ثم توزع المسؤولية عند التعثر على الجميع.
فالمواطن لا يريد أن يسمع أن المشروع تعثر لأن البلدية أحالته إلى المحافظة، والمحافظة أحالته إلى الوزارة، والوزارة قالت إن النظام لم يصدر، والمدير التنفيذي قال إن الصلاحية ليست عنده، ورئيس البلدية قال إن القرار ليس بيده.
المواطن يريد جهة واحدة يعرفها، وصاحب قرار يستطيع محاسبته.
ومن هنا، فإنني أقدّر ما طرحه المهندس فوزي مسعد، لكنني أعتقد أن النقاش يجب أن يتقدم خطوة أخرى إلى الأمام:
لا يكفي أن نسأل: هل نلغي مجالس المحافظات أم نبقي عليها؟
السؤال الأهم:
هل نريد رئيس بلدية منتخباً يملك ولاية حقيقية… أم رئيساً منتخباً بلا أدوات؟
وهناك سؤال أكثر خطورة:
هل نريد قانوناً يحقق اللامركزية… أم قانوناً يعلنها، ثم تفرغها الأنظمة والتعليمات من مضمونها؟
فإذا كنا جادين في الإصلاح، فعلينا أن نمنح الانتخابات معناها، والصلاحية لصاحبها، والموارد لمن يقرر، والتنفيذ لمن يُحاسب.
وإلا فإننا لن نكون قد بنينا حكماً محلياً جديداً… بل سنكون قد أعدنا ترتيب المقاعد داخل الهيكل القديم.
وهنا تحديداً يجب أن يكون دور مجلس النواب:
لا أن يمرر القانون كما جاء، بل أن يحسم في صلب القانون العلاقة بين المنتخب والمعين، وبين البلدية والوزارة، وبين الصلاحية والمسؤولية، وألا يترك جوهر اللامركزية رهينة لأنظمة لاحقة.
لأن القضية في النهاية ليست أسماءً ولا مسميات ولا كثرة مجالس.
القضية: من يملك القرار؟
وإذا كانت الإجابة في النهاية:
الوزير يقرر، والوزارة تنظم، والنظام يحدد، والرئيس المنتخب يتابع…
فعلينا أن نكون صريحين مع المواطن:
هذه ليست لامركزية.
هذه مركزية بوجه جديد.
* أمين عام وزارة البلديات سابقاً