facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




وداعًا للمدرسة التي عرفناها


د. هيفاء ابوغزالة
27-07-2026 03:34 PM

لم يعد السؤال المطروح اليوم كيف نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة، لأن هذا السؤال أصبح متأخرًا بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل ستبقى المدرسة، كما نعرفها اليوم، موجودة بعد عشرين عامًا؟

قد يبدو السؤال صادمًا، لكنه ليس خيالًا علميًا. فكل مؤسسة في التاريخ فقدت مبرر وجودها عندما تغيرت الوظيفة التي أُنشئت من أجلها. والمدرسة، بصورتها الحالية، نشأت لأن المعرفة كانت نادرة، ولأن المعلم كان المصدر شبه الوحيد للمعلومة، ولأن الكتاب المدرسي كان نافذة الطالب إلى العالم. أما اليوم، فقد أصبح العالم كله داخل شاشة صغيرة يحملها كل طفل في جيبه، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على شرح الدرس، وتصحيح الواجب، وترجمة النصوص، وتصميم التجارب، والإجابة عن ملايين الأسئلة في ثوانٍ معدودة.

إذا كانت الآلة أصبحت قادرة على نقل المعرفة، فلماذا نُصر على أن تبقى المدرسة مؤسسة لنقل المعرفة؟

هنا تبدأ الثورة الحقيقية.

ليست المشكلة أن الذكاء الاصطناعي سيدخل الصفوف، بل أن الصفوف نفسها قد لا تعود موجودة بالشكل الذي نعرفه. فما الذي يبرر أن يجلس ثلاثون طالبًا، يختلفون في قدراتهم وميولهم وسرعة تعلمهم، ليستمعوا إلى الشرح نفسه، وفي الوقت نفسه، ثم يخضعوا للامتحان نفسه؟ لقد كان ذلك منطقيًا عندما لم يكن هناك بديل، لكنه لم يعد منطقيًا في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يصمم رحلة تعليم مختلفة لكل طالب.

بعد عشرين عامًا، لن يكون لكل مدرسة منهاج واحد، بل سيكون لكل طالب منهاجه الخاص. لن يتعلم طفلان بالطريقة نفسها، لأن التكنولوجيا ستفهم كيف يتعلم كل واحد منهما، وما الذي يحفزه، وأين يخطئ، وما الذي يحتاج إليه في اللحظة نفسها. وستتحول المعرفة من منتج موحد إلى تجربة شخصية، يتغير محتواها كل يوم، وربما كل ساعة.

ولعل أول ما سيختفي هو مفهوم الصف الدراسي. لن تكون السنة الدراسية مرتبطة بالعمر، بل بالكفاءة. قد يبلغ طفل الثانية عشرة مستوى جامعيًا في الرياضيات، بينما يحتاج إلى وقت أطول في اللغة أو الفنون، ولن يُنظر إلى ذلك بوصفه تأخرًا أو تفوقًا، بل باعتباره المسار الطبيعي لتنوع القدرات الإنسانية.

وسيختفي الكتاب المدرسي أيضًا. ليس لأنه فقد قيمته، بل لأنه أصبح أبطأ من العالم. كيف يمكن لكتاب يُطبع مرة كل عام أن يواكب عالمًا تتضاعف فيه المعرفة كل أشهر قليلة؟ سيولد الذكاء الاصطناعي محتوى تعليميًا جديدًا في اللحظة نفسها التي يحتاجها الطالب، وسيعيد صياغته كلما تغير مستواه أو تغيرت اهتمامات المجتمع وسوق العمل.

أما الامتحان، بصورته التقليدية، فسيصبح قطعة من التاريخ التربوي. لن يسأل أحد الطالب أن يكتب تعريفًا يستطيع أي تطبيق ذكي الوصول إليه في ثانية واحدة. سيُطلب منه أن يقود فريقًا، وأن يصمم حلًا لأزمة مياه، أو أن يبتكر مشروعًا لمواجهة التغير المناخي، أو أن يدير حوارًا بين ثقافات مختلفة، أو أن يتخذ قرارًا أخلاقيًا في موقف معقد. سيصبح الإنجاز هو الامتحان، والحياة هي قاعة الاختبار.

وهنا يصل المقال إلى السؤال الذي يخشاه كثيرون: ماذا سيحدث للمعلم؟

الإجابة ليست أن المعلم سيختفي، بل إنه سيولد من جديد.

المعلم الذي عرفناه، بوصفه ناقلًا للمعلومة، ستنتهي مهمته، لأن الآلة ستتفوق عليه في هذه الوظيفة. لكن المعلم الذي يصنع الإنسان سيصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.

سيصبح المعلم مهندسًا للشخصية قبل أن يكون معلمًا للمادة. وسيقيس نجاحه بعدد العقول التي ألهمها، لا بعدد الصفحات التي شرحها. وسيكون مسؤولًا عن تعليم ما تعجز الآلة عن تعليمه: كيف يفكر الإنسان باستقلال، وكيف يشك بطريقة علمية، وكيف يتعامل مع الاختلاف، وكيف يقود فريقًا، وكيف يتخذ قرارًا أخلاقيًا عندما لا توجد إجابة جاهزة.

وسيظهر جيل جديد من المعلمين، يمكن أن نطلق عليهم مهندسو التعلم. لن تكون مهمتهم شرح المناهج، بل تصميم تجارب تعليمية، تجمع بين علم النفس، وعلوم الأعصاب، والذكاء الاصطناعي، والتربية، لتمنح كل طالب رحلة تعلم تناسبه. عندها لن يكون السؤال: من يشرح الدرس؟ بل: من يصنع البيئة التي تجعل الطالب قادرًا على اكتشاف نفسه؟

لكن التحول الأعمق لن يكون في المدرسة ولا في المعلم، بل في معنى النجاح نفسه.

طوال قرن كامل، كنا نكافئ الطالب الذي يحفظ أكثر. وفي القرن القادم، سنكافئ الطالب الذي يطرح السؤال الذي لم يخطر لأحد. لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم أفضل الإجابات، لكنه لا يزال يعتمد على جودة السؤال الذي يطرحه الإنسان. ومن هنا ستصبح القدرة على التساؤل، والخيال، والإبداع، وربط الأفكار، واتخاذ القرار الأخلاقي، هي المهارات الأكثر قيمة في الاقتصاد الجديد.

ولهذا، فإن المدرسة التي ستقود المستقبل لن تكون المدرسة الأكثر امتلاكًا للأجهزة، بل المدرسة التي تُخرّج إنسانًا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكونه. إنسانًا يملك الضمير حين تغيب الأخلاق، والحكمة حين تتضارب المعلومات، والخيال حين تتوقف الخوارزميات عند حدود ما تعرفه، والشجاعة لاتخاذ القرار عندما تعجز الآلة عن تحمل مسؤوليته.

إن وزارات التربية والتعليم التي تعتقد أن شراء مزيد من الحواسيب هو إصلاح للتعليم، تشبه من يضع محركًا حديثًا في عربة يجرها حصان. التكنولوجيا لا تنقذ فلسفة تعليمية انتهى زمنها. وما نحتاج إليه ليس تحديث المدرسة، بل إعادة اختراعها.

وربما سيكون السؤال الذي يحدد مكانة الإنسان في منتصف هذا القرن بسيطًا، لكنه حاسم:

ما الذي تستطيع أن تفعله أنت… ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعله؟

إذا استطاعت مدارسنا أن تُخرج أجيالًا قادرة على الإجابة عن هذا السؤال، فستكون قد أدت رسالتها الحقيقية. أما إذا استمرت في تخريج طلاب ينافسون الآلة في الحفظ والتكرار، فإن المنافسة ستكون محسومة سلفًا… ولكن لصالح الآلة.

هذا هو التحدي الحقيقي. ليس مستقبل المدرسة، بل مستقبل الإنسان نفسه





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :