facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين ارتفاع الرواتب وارتفاع نمط الحياة .. أين تكمن المشكلة؟


قصي حمدان الجمال
28-07-2026 04:07 PM

في كل مرة يُثار فيها الحديث عن الرواتب وغلاء المعيشة، ينقسم الناس بين من يطالب بزيادة الدخل، ومن يرى أن المشكلة الحقيقية ليست في مقدار الراتب، بل في طريقة إنفاقه. والحقيقة أن الواقع يجمع بين الأمرين؛ فارتفاع تكاليف الحياة حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن أسلوب الاستهلاك أصبح بدوره عاملاً رئيسياً في الضغوط المالية التي تعاني منها كثير من الأسر.

لقد أصبحنا نعيش في زمن تُقاس فيه المكانة الاجتماعية أحيانًا بما نملك لا بما نحقق، فانتشرت ثقافة المقارنات، وازدادت الرغبة في اقتناء الأغلى، حتى وإن كان البديل يؤدي الغرض نفسه بكفاءة.

يمكن للمرء أن يحلق شعره بمبلغ بسيط أو يدفع أضعاف ذلك، وأن يشتري عطراً جيداً بسعر معقول أو يختار علامة تجارية باهظة، وأن يشرب قهوته في منزله بتكلفة زهيدة أو يدفع أضعافها في المقاهي. المشكلة ليست في الاختيار نفسه، وإنما عندما تتحول الكماليات إلى ضروريات، ويصبح الإنفاق بهدف إرضاء الآخرين لا تلبية الاحتياجات الحقيقية.

إن الإدارة المالية الرشيدة لا تعني الحرمان، بل تعني ترتيب الأولويات. فالسيارة وسيلة نقل وليست أداة للمباهاة، والطعام المنزلي غالباً أكثر توفيراً وفائدة، والادخار ليس دليلاً على البخل، بل هو استثمار في الاستقرار والأمان.

ومع مراجعة أسلوب حياتنا، يبرز سؤال آخر: كيف تغير المجتمع خلال العقود الماضية؟

قبل أربعين عاماً كان الناس يرون في كثرة الأبناء مصدر قوة وبركة، أما اليوم فأصبح كثيرون يترددون في الإنجاب بسبب الأعباء الاقتصادية.

وكان احترام الوالدين قيمة راسخة، بينما أصبحت العلاقة الأسرية اليوم تواجه تحديات تربوية واجتماعية جديدة. وكان الزواج أكثر بساطة واستقراراً، في حين ارتفعت اليوم تكاليفه وتعقدت متطلباته، وأصبح الطلاق أكثر شيوعاً في كثير من المجتمعات.

كما كانت العلاقات الاجتماعية أكثر دفئاً؛ يعرف الجار جاره، وتعيش الأحياء بروح الأسرة الواحدة، بينما فرضت أنماط الحياة الحديثة قدراً من العزلة. والأهم أن مظاهر الاستهلاك تغيرت؛ ففي الماضي كان الثراء يُخفى تواضعاً، أما اليوم فأصبحت مظاهر الثراء تُلاحق حتى من لا يملكها، مما يدفع البعض إلى الإنفاق فوق طاقتهم للحفاظ على صورة اجتماعية لا تعكس واقعهم.

ولا يمكن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية هذه التحولات؛ فالتضخم وارتفاع الأسعار وتكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية عوامل حقيقية تؤثر في مستوى المعيشة، لكن يبقى أسلوب إدارة الدخل عاملاً يمكن لكل أسرة أن تتحكم به.

إن العودة إلى ثقافة الاعتدال، والتمييز بين الحاجة والرغبة، والابتعاد عن ثقافة الاستعراض، كلها خطوات تعزز الاستقرار المالي والنفسي.

فالسعادة لا تُقاس بقيمة المقتنيات، بل براحة البال، واستقرار الأسرة، والقدرة على العيش دون الوقوع في دوامة الديون والضغوط.

ويبقى قول الإمام الشافعي رحمه الله معبّراً عن كثير من أحوالنا:

نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيبٌ سوانا.

فلعل البداية الحقيقية لتحسين أوضاعنا لا تكون فقط بزيادة الدخل، وإنما أيضاً بإعادة النظر في طريقة إدارتنا له، فحسن التدبير لا يقل أهمية عن حسن الكسب.

* مدرب الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :