facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإنسان بين جغرافيا المكان وجغرافية الزمن


عماد عواودة
28-07-2026 04:29 PM

يحسب كثيرٌ من الناس أن الرحلة تبدأ حين يغادر الإنسان وطنه ، وتنتهي حين يعود إليه ؛ ولعلهم لا يخطئون في ظاهر الأمر ، ولكنهم يغفلون عن رحلةٍ أخرى أشد أثراً وأبقى أثراً ، لا تقاس بالأميال ، ولا تُرسم على خرائط الجغرافيا ، وإنما تُقاس بما يحدث في العقل من اتساع ، وفي النفس من نضج ، وفي الوعي من تحول .

الإنسان لا يعيش في المكان وحده ، بقدر ما انه يعيش في الزمن أيضاً ؛ وقد يظل المكان ثابتاً في عينيه ، بينما يكون الزمن قد أعاد تشكيل كل شيء فيه ؛ الناس، والعلاقات ، والأفكار ، وحتى الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى نفسه وإلى الحياة .

عرفت رجلاً غاب عن وطنه قرابة ربع قرن ؛ عاش في بلادٍ واسعة ، ورأى من أنماط الحياة ما لم يكن مألوفاً في بيئته الأولى ؛ فلما عاد ، كان يظن أنه يحمل في حقائبه شيئاً من العالم ، وأن الذين تركهم ما زالوا ينتظرونه عند اللحظة التي ودعهم فيها ؛ لكنه فوجئ بأنهم لم يكونوا في انتظاره ، إنما كانوا هم أيضاً في رحلة ، وإن لم يغادروا قريتهم ؛ لقد سافروا في الزمن .

تعلموا من الأيام ، ومن أعباء المسؤولية ، ومن تعاقب الأفراح والأحزان ، وأعادت الحياة تشكيل رؤيتهم للأشياء ؛ أما هو ، فقد عاد يحمل ذاكرة الماضي أكثر مما يحمل وعي الحاضر ؛ تحرك جسده في جغرافيا المكان ، لكن وعيه بقي مقيماً في اللحظة التي غادر فيها قريته .

وهنا تتجلى حقيقة كثيراً ما تغيب عنا ؛ فالتجربة لا تصنع الإنسان بمجرد وقوعها ، وإنما يصنعه ما يستخرجه منها من أفكار ؛ قد يرى اثنان المشهد نفسه، أحدهما بصورة ، ويعود الآخر بفكرة ؛ الأول أضاف إلى ذاكرته ، والثاني أضاف إلى وعيه .

من هنا فإن السفر ليس فضيلةً او ثقافة في ذاته ، كما أن البقاء ليس نقيصةً أو قصور في ذاته ، فكم من إنسانٍ جاب الآفاق ، ثم عاد محملاً بنفسه القديمة ، لم تتبدل نظرته للحياة ، ولم يتسع أفقه ، ولم يتعلم إلا أسماء المدن والطرقات ؛ وكم من إنسانٍ لم يغادر قريته ، لكنه ارتحل في القراءة ، والتأمل ، وتجارب الحياة ، حتى أصبح أوسع وعياً ممن قطعوا القارات .

لعل هذا ما يجعل المكان والزمان عنصرين لا ينفصلان في بناء الإنسان ؛ فالمكان يمنحه التجربة ، والزمن يمنحه فرصة النضج ، غير أن كليهما يظلان عاجزين عن صناعة إنسانٍ جديد ما لم تتحول التجربة إلى فكرة ، والفكرة إلى وعي ، والوعي إلى سلوك وحكمة .

إن الحضارة لا تُقاس بعدد الرحلات التي نقوم بها ، وإنما بعدد التحولات التي تحدث في عقولنا ؛ فالإنسان لا ينمو بكثرة ما يرى ، لكن بكيفية ما يفهم ، ولا يتغير بكثرة ما يمر به ، لكن بما يصنعه مما مر به .

ليس كل من تغرّب عاد ومعه منفعة أو ثقافة أو وعي جديد ، كما أن ليس كل من بقي في وطنه ظل أسيراً لهامش الزمن ؛ فبين من سافر في المكان ، ومن سافر في الزمان ، مسافةٌ قد تصنع الفارق بين إنسانٍ حمل العالم في حقيبته ، وإنسانٍ حمل العالم في عقله .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :