الأردن بين العاطفة والاستراتيجية… هل تُدار الدول بردود الفعل؟
صالح الشرّاب العبادي
28-07-2026 06:20 PM
هل يستطيع الأردن أن يعيش بلا تحالفات؟
قراءة سريعة في منطق الدولة لا في ضجيج اللحظة ..
في كل مرة تشهد فيها المنطقة تصعيدًا عسكريًا، يتجدد في الأردن والعالم العربي الجدل حول التحالفات العسكرية، والاتفاقيات الدفاعية، ووجود القوات الأجنبية، وكأن هذه القضايا وُلدت مع الأزمة الراهنة، بينما الحقيقة أنها جزء من معادلات الأمن القومي التي تبنيها الدول عبر عقود، لا استجابةً لحدث عابر.
اليوم ترتفع أصوات تدعو إلى إلغاء الاتفاقيات العسكرية وإنهاء التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، انطلاقًا من اعتقاد مفاده أن ذلك سيُبعد الأردن عن دائرة التهديد. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش هو: هل مصدر الخطر هو التحالفات، أم أن طبيعة البيئة الإقليمية هي التي تفرض على الدول بناء التحالفات؟
هذا السؤال هو جوهر القضية.
فالأردن لم يختر موقعه الجغرافي، ولم يصنع البيئة الأمنية المحيطة به. إنه يقع في قلب إقليم يشهد منذ عقود صراعات متداخلة، ويجاور بؤر توتر ممتدة، ويطل على ممرات بحرية ذات أهمية استراتيجية. ولذلك فإن التحديات الأمنية التي تواجهه ليست نتاج اتفاقية دفاعية أو تعاون عسكري مع هذه الدولة أو تلك، وإنما هي نتيجة مباشرة لموقعه الجيوسياسي.
في الفكر الاستراتيجي، لا توجد دولة، مهما بلغت قوتها، تعتمد على إمكاناتها الذاتية وحدها. فالولايات المتحدة تقود شبكة واسعة من التحالفات، والدول الأوروبية جعلت أمنها جماعيًا عبر حلف شمال الأطلسي، ودول آسيوية وإقليمية كبرى تبني شراكات دفاعية متعددة لحماية مصالحها. وإذا كانت القوى الكبرى نفسها ترى في التحالفات أداة لتعزيز أمنها، فمن غير المنطقي أن يُطلب من دولة محدودة الموارد، تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، أن تدير أمنها في عزلة.
لكن هذا لا يعني أن أي تحالف هو بالضرورة خيار صحيح، ولا أن كل تعاون يخلو من المخاطر. فالتحالفات ليست قيمة بحد ذاتها، وإنما تُقاس بمدى خدمتها للمصلحة الوطنية. وهنا تكمن مسؤولية الدولة: أن تُحسن إدارة تحالفاتها، وأن تحافظ في الوقت نفسه على استقلال قرارها وسيادتها وثوابتها الوطنية.
لقد أثبت الأردن عبر عقود أنه قادر على تحقيق هذا التوازن. فقد احتفظ بعلاقات استراتيجية مع شركائه الدوليين، وفي الوقت نفسه حافظ على موقف ثابت تجاه القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وتحمل في سبيل ذلك ضغوطًا سياسية واقتصادية معروفة. وهذا يؤكد أن بناء الشراكات لا يعني التنازل عن الثوابت، بل يتطلب إدارة دقيقة للمصالح الوطنية.
وفي خضم الجدل الدائر، يغيب سؤال أكثر أهمية: إذا أُلغي هذا التعاون، فما البديل؟
فإدارة الأمن الوطني لا تقوم على رفض خيار قائم فحسب، بل على تقديم بديل قادر على تحقيق المستوى نفسه من الردع، والجاهزية، والتدريب، والتعاون الاستخباري، والدعم اللوجستي، وحماية المجالين البري والجوي. أما الاكتفاء بالمطالبة بإنهاء الاتفاقيات دون تصور عملي لملء الفراغ الذي قد ينشأ عنها، فهو انتقال من النقاش الاستراتيجي إلى رد الفعل السياسي.
إن الدول لا تُقاس بقدرتها على رفع الشعارات، وإنما بقدرتها على حماية شعوبها وصيانة مؤسساتها والحفاظ على استقرارها. والسياسات الرشيدة لا تُبنى على الانفعال، بل على تقدير دقيق للمصالح والمخاطر وكلفة البدائل.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الدول التي اتخذت قرارات مصيرية تحت ضغط العاطفة دفعت أثمانًا باهظة، بينما استطاعت الدول التي احتكمت إلى حسابات الأمن القومي أن تحافظ على تماسكها رغم شدة الأزمات.
إن الأردن اليوم لا يحتاج إلى معركة بين مؤيد للتحالفات ومعارض لها، بقدر ما يحتاج إلى نقاش وطني هادئ يجيب عن سؤال واحد: ما الذي يحقق المصلحة الوطنية الأردنية؟ فعندما يكون معيار القرار هو أمن الدولة واستقرارها وسيادتها، تصبح التحالفات وسيلة يمكن تقييمها وتطويرها أو مراجعتها وفق المصلحة الوطنية، لا وفق الانفعالات أو الاستقطابات.
إن قوة الدولة لا تكمن في القطيعة ولا في الارتهان، بل في قدرتها على بناء علاقات متوازنة، وإدارة تحالفاتها بما يخدم مصالحها العليا، والحفاظ على استقلال قرارها الوطني. تلك هي المعادلة التي نجحت الدولة الأردنية في اتباعها على مدى عقود، وهي المعادلة التي ستظل الأكثر واقعية في منطقة لا تزال تتغير خرائطها وتحالفاتها بوتيرة متسارعة.
اخيراً، التحالفات ليست هدفًا بحد ذاتها، وليست تهمة في ذاتها؛ إنها أداة من أدوات القوة الوطنية، تُقاس قيمتها بمدى خدمتها للمصلحة العليا للدولة.