عندما يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في إدارة الاقتصاد
البروفيسور يوسف العساف
28-07-2026 09:21 PM
في كل مرة تواجه فيها الحكومات ضغوطاً مالية أو يتسع عجز الموازنات، يتكرر النقاش ذاته: هل ينبغي زيادة الضرائب؟ أم تخفيض الإنفاق؟ أم اللجوء إلى الاقتراض؟ ورغم أهمية هذه الأدوات، فإنها تبقى حلولاً تقليدية تعالج النتائج أكثر مما تعالج الأسباب. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: هل تستطيع الحكومة أن تصبح أكثر كفاءة قبل أن تطلب من المواطن أن يتحمل أعباءً إضافية؟
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي هذا السؤال جذرياً. فلم يعد مجرد تقنية لتطوير التطبيقات الذكية أو أتمتة بعض الإجراءات، بل أصبح أداة استراتيجية لإعادة تصميم الدولة نفسها، وتحويلها من جهاز إداري يعتمد على الإجراءات التقليدية إلى حكومة تتعلم باستمرار من البيانات، وتتخذ قراراتها على أساس المعرفة والتحليل والتنبؤ.
فالاقتصاد القوي لا يقوم فقط على زيادة الإيرادات، وإنما على تعظيم قيمة كل دينار تنفقه الدولة. وفي كثير من الدول، لا يعود العجز المالي إلى نقص الموارد بقدر ما يعود إلى ضعف كفاءة الإنفاق، وازدواجية الإجراءات، والتسرب المالي، وتأخر اتخاذ القرار، وضعف القدرة على استثمار البيانات في رسم السياسات العامة.
وهنا تتجلى القيمة الاقتصادية الحقيقية للذكاء الاصطناعي. فهو يستطيع تحليل ملايين المعاملات الحكومية خلال ثوانٍ، واكتشاف أنماط التهرب الضريبي، ورصد الهدر في المشتريات العامة، وتحليل كفاءة المشاريع الحكومية، والتنبؤ بالإيرادات والنفقات، ومحاكاة أثر القرارات الاقتصادية قبل تطبيقها. وبهذا لا تصبح الدولة أكثر سرعة فحسب، بل أكثر دقة وكفاءة في إدارة المال العام.
ولا تقتصر الفوائد على زيادة الإيرادات، بل تمتد إلى ترشيد الإنفاق. فعندما تُوجَّه الإعانات إلى مستحقيها بدقة، وتُكتشف العقود المبالغ في قيمتها قبل توقيعها، وتُراقب المشاريع الحكومية بصورة آنية، وتُدار الموارد بناءً على بيانات حقيقية، فإن الدولة تحقق وفورات مالية كبيرة دون المساس بجودة الخدمات أو تحميل المواطنين أعباءً إضافية.
وقد أثبتت تجارب عدد من الدول أن النجاح في هذا المجال لا يرتبط بحجم الاقتصاد أو مستوى الدخل، بل بوضوح الرؤية وسرعة التنفيذ.
ففي إستونيا، أسهمت الحكومة الرقمية المتكاملة في تقليل الكلفة الإدارية وتسريع الخدمات الحكومية، لتصبح واحدة من أكثر دول العالم كفاءة في الإدارة العامة. وفي رواندا، استثمرت الحكومة في البنية الرقمية والخدمات الذكية رغم محدودية الموارد، مما رفع كفاءة المؤسسات وساعد على تحسين الخدمات وجذب الاستثمارات.
أما الهند، فقد شكلت الهوية الرقمية الوطنية نقطة تحول في إدارة برامج الدعم والخدمات الحكومية، حيث أدى ربط الهوية الرقمية بالمدفوعات الإلكترونية إلى تقليل الهدر والاحتيال، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بكفاءة أعلى، وهو ما وفر مليارات الدولارات التي كانت تضيع بسبب الأخطاء والتكرار.
وفي العالم العربي، تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً متقدماً في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة العمل الحكومي. فمن خلال استراتيجية وطنية طموحة، وإنشاء منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ودمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصميم الخدمات الحكومية ودعم اتخاذ القرار، أثبتت الإمارات أن الذكاء الاصطناعي ليس مشروعاً تقنياً منفصلاً، بل جزء من منظومة التنمية الاقتصادية والإدارية.
ومن اللافت أن عدداً من أنجح التجارب جاءت من دول ليست كبيرة من حيث عدد السكان، مثل إستونيا والإمارات، ويمكن إضافة الأردن إلى هذه الفئة من حيث الحجم السكاني. فالدول الأصغر تمتلك في كثير من الأحيان ميزة تنافسية تتمثل في سهولة إعادة هندسة مؤسساتها، وسرعة توحيد قواعد البيانات، وقصر سلاسل اتخاذ القرار، وانخفاض تعقيد البنية الإدارية مقارنة بالدول ذات الكثافة السكانية العالية. وهذا يجعل قدرتها على تطوير اقتصادها، وتمكين مواطنيها من الخدمات الرقمية، والاستعداد لمتطلبات المستقبل، أسرع وأكثر كفاءة إذا توافرت الرؤية والقيادة والاستثمار الصحيح في التكنولوجيا ورأس المال البشري. لقد أصبح حجم الدولة، في كثير من الأحيان، ميزة استراتيجية بدلاً من أن يكون قيداً على التنمية.
لكن هذه التجارب تكشف أيضاً حقيقة مهمة، وهي أن الذكاء الاصطناعي لا يعوض غياب الإصلاح الاقتصادي، ولا يغني عن الحوكمة الرشيدة أو الشفافية أو كفاءة المؤسسات. إنه يضاعف أثر السياسات الجيدة، لكنه لا يستطيع إصلاح السياسات الخاطئة بمفرده. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في شراء أحدث التقنيات، بل في إعادة تصميم مؤسسات الدولة بحيث تصبح البيانات أساساً لكل قرار.
ومن هنا يبدأ التحول الحقيقي. فالحكومة الرقمية، على أهميتها، تظل حكومة تقدم خدمات إلكترونية أسرع وأكثر سهولة. أما المرحلة التالية فهي الحكومة المُدركة (Cognitive Government)؛ حكومة تتعلم باستمرار من البيانات، وتربط المعلومات بين مؤسساتها، وتستشرف المشكلات قبل وقوعها، وتقيس أثر السياسات بصورة لحظية، وتوفر لصانع القرار أفضل البدائل الممكنة قبل اتخاذ القرار.
في الحكومة المُدركة لا تُعد الموازنة العامة اعتماداً على الأرقام التاريخية وحدها، بل تصبح وثيقة ديناميكية تتعلم باستمرار. فهي تستفيد من نماذج الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالإيرادات، وتحليل النفقات، ومحاكاة السيناريوهات الاقتصادية المختلفة، وقياس أثر أي قرار قبل اعتماده. ويمكن للنظام أن يجيب عن أسئلة لم يكن من الممكن الإجابة عنها بهذه السرعة من قبل: ماذا سيحدث إذا زادت مخصصات التعليم؟ وما أثر تعديل الدعم على التضخم والتشغيل؟ وأي المشاريع الحكومية يحقق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي؟ وكيف يمكن إعادة توزيع الموارد لتحقيق أفضل قيمة ممكنة من كل دينار تنفقه الدولة؟
وفي هذا السياق، تبدو التجربة الأردنية جديرة بالاهتمام. فقد نجح الأردن في بناء بنية رقمية متقدمة مقارنة بإمكاناته، من خلال تطبيق سند، الذي تجاوز عدد مستخدميه 2.9 مليون مستخدم، فيما تجاوز عدد مفعّلي الهوية الرقمية 2.6 مليون مواطن، الأمر الذي وفر قاعدة واسعة للخدمات الحكومية الرقمية، وأسهم في تقليل الوقت والكلفة على المواطنين والمؤسسات، ومهّد الطريق أمام مرحلة أكثر تقدماً تعتمد على توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في صنع القرار الحكومي. كما يمثل المستشفى الرقمي في السلط نموذجاً رائداً في تحديث القطاع الصحي، من خلال الاعتماد على السجلات الطبية الإلكترونية والأنظمة الرقمية المتكاملة التي ترفع كفاءة الرعاية الصحية، وتحسن إدارة الموارد، وتوفر أساساً قوياً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً في التشخيص، والتنبؤ بالاحتياجات الصحية، وإدارة الخدمات بكفاءة أعلى.
غير أن هذه الإنجازات ينبغي النظر إليها باعتبارها نقطة انطلاق لا محطة وصول. فالتحدي الحقيقي لم يعد في إطلاق تطبيق حكومي جديد أو رقمنة خدمة إضافية، بل في بناء حكومة تمتلك القدرة على التفكير والتحليل والتنبؤ.
وربما يكون السؤال الأهم خلال العقد القادم ليس: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي وزير المالية غير المرئي؟ بل: هل ستصبح الموازنة العامة وثيقة تتعلم؟ ماذا لو استطاعت نماذج الذكاء الاصطناعي أن تتوقع الإيرادات والنفقات بدقة أكبر، وأن تقيس أثر كل قرار اقتصادي قبل تنفيذه، وأن تنبه صانع القرار إلى مواطن الهدر والفرص غير المستغلة قبل أن تظهر في التقارير السنوية؟
حينها لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد برنامج يساعد الموظف أو أداة لتسريع الإجراءات، بل سيصبح "العقل الاقتصادي المساند للحكومة"، يربط بين البيانات والسياسات والنتائج بصورة آنية ومستمرة.
إن الدول التي ستقود الاقتصاد العالمي في العقود القادمة لن تكون بالضرورة الأكثر ثراءً، ولا الأكثر إنفاقاً على التكنولوجيا، بل تلك التي تنجح في تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات، والقرارات إلى قيمة اقتصادية مستدامة. وهذا هو جوهر الحكومة المُدركة؛ حكومة لا تكتفي برقمنة الحاضر، بل تمتلك القدرة على استشراف المستقبل وصناعته، وتجعل الذكاء الاصطناعي شريكاً حقيقياً في إدارة الاقتصاد، لا مجرد أداة تقنية ضمن منظومة العمل الحكومي.