البرلمان الاردني: هل يحجب ضجيج التفاصيل صوت القضايا الوطنية الكبرى؟
د. موسى الرحامنة
30-07-2026 04:15 PM
في الحياة الدستورية، لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من مؤسسات فحسب، وإنما بما تتمتع به تلك المؤسسات من احترام وثقة وقدرة على أداء رسالتها ؛ فالمباني تُشيد بالحجارة، أما المؤسسات فتشيد بالثقة؛ وإذا كانت الثقة هي رأس مال الدولة السياسي، فإن البرلمان هو الخزان الذي تُودَع فيه هذه الثقة، أو يستنزف منها، تبعًا لما يقدمه من أداء وما يعكسه من صورة.
وليس من قبيل المصادفة أن تُسمّى المجالس التشريعية في مختلف لغات العالم برلمانات؛ فالأصل في البرلمان أنه بيت للكلمة، ومنبر للحوار، وساحة تتصارع فيها الأفكار لا الأشخاص، والحجج لا الأصوات، والمواقف لا الانفعالات؛ فحين تدخل الكلمة إلى البرلمان، ينبغي أن تخرج منه السياسات، وحين يدخل إليه اختلاف الآراء، ينبغي أن يخرج منه اتفاق على مصلحة الوطن.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: هل ما زالت قبة البرلمان الأردني تؤدي هذه الرسالة كما أرادها الدستور، أم أن ضجيج التفاصيل أصبح يحجب صوت القضايا الكبرى؟
إن من الظلم اختزال مجلس النواب في مشهد عابر أو حادثة فردية، كما أنه من الخطأ تجاهل حقيقة أن صورة المجلس في الوعي الشعبي لم تعد كما كانت؛ فهناك شعور متنام لدى قطاع من المواطنين بأن البرلمان، رغم ما يضمه من كفاءات وطنية وخبرات محترمة، لم ينجح بعد في استعادة المكانة التي يستحقها في ضمير المجتمع، ولم يتمكن من ردم الفجوة التي اتسعت بينه وبين الشارع خلال السنوات الماضية
الثقة، في العمل العام، لا تُفرض بالنصوص، بل تُكتسب بالممارسة، وهي لا تُستعاد بالخطب، بل بالمواقف؛ والمواطن الأردني، الذي يواجه ضغوطا اقتصادية ومعيشية متزايدة، لا يطلب من مجلس النواب المستحيل، بل ينتظر منه أن يكون حاضرًا حيث تكون معاناته، وصريحًا حيث يكون الغموض، وجريئًا حيث تقتضي المصلحة الوطنية الجرأة، وأن يمارس صلاحياته الرقابية والتشريعية بروح الدستور لا بحرفيته فقط.
لقد أنشئ البرلمان ليكون سلطة، لا منصة؛ سلطة تُشرّع، وتراقب وتحاسب، وتحمي المال العام، وتدافع عن الحقوق والحريات، وتوازن بين السلطات بما يصون الدولة ويعزز استقرارها ؛ أما إذا انصرف الجهد إلى السجالات الشخصية، أو استهلكت المشاحنات جزءًا من المشهد النيابي، فإن الخسارة لا تقع على طرف دون آخر، وإنما تصيب صورة المؤسسة كلها، لأن المواطن لا يميز بين نائب وآخر حين يحكم على البرلمان، بل يرى المؤسسة كوحدة واحدة، ويمنحها ثقته أو يحجبها عنها مجتمعة.
ولعل أكثر ما يثير القلق ليس وقوع الخلاف، فالخلاف في البرلمانات العريقة دليل حيوية، وإنما الكيفية التي يُدار بها هذا الخلاف؛ فالبرلمان ليس ناديًا للإجماع، وإنما مدرسة للاختلاف المنظم ؛ والفرق بين الديمقراطية والفوضى أن الأولى تُدار بالقواعد، والثانية تدار بردود الأفعال.
ومن هنا، فإن مسؤولية رئاسة المجلس تكتسب أهمية استثنائية؛ فرئيس المجلس ليس ممثلاً لأغلبية أو أقلية داخل القاعة، وإنما هو حارس المؤسسة، وأمين نظامها، وضامن حيادها ؛ وهو مطالب بأن يُطبق النظام الداخلي بحزم، ولكن بعدالة، وأن يمنح جميع النواب الفرصة المتكافئة للتعبير عن آرائهم، ما داموا ملتزمين بأحكام النظام؛ فالحياد ليس فضيلة شخصية فحسب، بل هو شرط أساسي لبقاء الثقة في المؤسسة؛ وكلما ترسخ لدى الرأي العام أن قواعد إدارة الجلسات تُطبق بمعيار واحد على الجميع، ازدادت هيبة المجلس، وتراجع الجدل حول إجراءاته.
إن النائب لم ينتخب ليصفق ، ولم ينتخب ليصمت، ولم ينتخب ليكون شاهدًا على الأحداث؛ لقد جاء إلى البرلمان ليكون صوتًا لمن لا صوت لهم، ولسانًا للمواطن الذي يقف خارج أسوار المجلس منتظرًا أن يجد من يحمل همومه إلى منصة التشريع والرقابة. ولذلك، فإن مقاطعة الكلمة دون مقتضى، أو اختزال النقاش في حدود ضيقة، لا يخدم الفكرة البرلمانية التي قامت أصلا على حرية النقاش المسؤول، تماما كما أن استغلال الكلمة في الخروج عن النظام لا يخدم هيبة المجلس؛ فالمعادلة الدقيقة هي أن تبقى الكلمة حرة، وأن يبقى النظام سيد الجلسة.
ولعل أخطر ما يواجه البرلمانات ليس النقد، بل اللامبالاة؛ فحين يتابع المواطن جلسات مجلسه لا بحثًا عن التشريعات، وإنما انتظارًا لمشهد انفعال جديد نكون قد انتقلنا من السياسة إلى الفرجة، ومن المؤسسة إلى المشهد؛ وعندما تصبح اللقطات المثيرة أكثر حضورًا في ذاكرة الناس من القوانين التي تمس حياتهم، فإن ذلك يعني أن الصورة طغت على الجوهر، وأن الانطباع غلب الحقيقة.
واليوم، والأردن يمضي في مشروعه الوطني للتحديث السياسي، تبدو الحاجة إلى برلمان قوي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى؛ فالإصلاح لا يُقاس بعدد القوانين الصادرة، وإنما بقدرة المؤسسات على تجسيد روحها؛ والديمقراطية ليست صندوق اقتراع يُفتح كل أربع سنوات، بل ثقافة تُمارس كل يوم داخل القبة قبل خارجها، وفي احترام الرأي المخالف قبل الاتفاق معه.
إن البرلمان القوي لا يربك الدولة، بل يحصنها ؛ والرقابة الجادة لا تعطل الحكومة، بل تعينها على تصويب المسار ؛ والكلمة الحرة ليست تهديدًا للاستقرار، بل أحد أهم ضماناته، لأن الدول التي تسمع أصوات مواطنيها من داخل مؤسساتها، لا تضطر إلى سماعها من خارجها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل نائب، وكل مسؤول، وكل معني بالشأن العام: أي برلمان نريد؟ أهو برلمان تقاس قيمته بعدد جلساته، أم برلمان تُقاس مكانته بقدرته على أن يكون ضمير الأمة وعقل الدولة وصوت المواطن؟
إن الأردن أكبر من خلاف عابر ، وأعمق من سجال تحت القبة، وأعرق من أن تُختزل تجربته البرلمانية في مشهد انفعال أو مقطع مصور ؛ فهذا الوطن بنى دولته على الاعتدال، ورسخ مؤسساته على الدستور، ويستحق برلمانا يكون على قدر هذه المسيرة؛ برلمانًا تُحترم فيه الكلمة لأنها مسؤولية، ويُصان فيه الاختلاف لأنه مصدر قوة، وتُمارس فيه الرقابة لأنها واجب، وتُستعاد به ثقة الناس لأنها أساس كل شرعية سياسية.
فحين يستعيد البرلمان هيبته، لا ينتصر النواب لأنفسهم، بل ينتصر الوطن لمؤسساته؛ وحين تعود القبة منبرًا للفكر لا ساحةً للضجيج، يدرك الأردنيون أن صوتهم ما زال يجد طريقه إلى الدولة، وأن الديمقراطية ليست وعدًا مؤجلا، بل ممارسة يومية تتجدد مع كل كلمة تقال من أجل الوطن، لا من أجل أصحابها.