عندما يصبح البحر أقل خطرًا من الوطن
المحامي الدكتور هيثم عريفج
31-07-2026 01:53 PM
مشاهد أعداد كبيرة من الشباب العرب وهم يغامرون بأرواحهم سباحة للوصول إلى مدن أوروبية ، لا يجوز أن تُقرأ باعتبارها مجرد مشكلة حدودية أو محاولة عابرة للهجرة غير النظامية، بل بوصفها جرس إنذار يدق في وجه العالم العربي كله.
فما الذي يدفع شابًا إلى ترك أسرته ووطنه، والمخاطرة بالغرق أو الاعتقال أو الترحيل، بحثًا عن فرصة في بلد بعيد؟ ولماذا يبدو البحر، بكل ما يحمله من أخطار، أقل قسوة في نظره من البقاء في وطنه؟
الأرقام تكشف أن الرغبة في الهجرة لم تعد حالة فردية أو استثنائية. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن عدد المهاجرين واللاجئين المنحدرين من الدول العربية بلغ نحو 37 مليون شخص في عام 2024، فيما تظهر استطلاعات «الباروميتر العربي» انتشار التفكير في الهجرة بين الشباب في عدد واسع من الدول العربية، وارتفاع الاستعداد لدى بعضهم لسلوك طرق غير نظامية رغم معرفتهم بمخاطرها.
السبب الاقتصادي، فيأتي في مقدمة الدوافع. فقد قدرت منظمة العمل الدولية معدل بطالة الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 24.5%، أي ما يقارب ضعف المعدل العالمي. ولا تعكس هذه النسبة سوى جزء من المشكلة، لأن كثيرًا من الشباب يعملون بأجور متدنية، أو في وظائف مؤقتة وغير منظمة، أو في أعمال لا تتناسب مع تعليمهم ومؤهلاتهم، ومن دون ضمان اجتماعي أو حماية كافية.
الهجرة ليست نتيجة البطالة وحدها. فالشاب العربي لا يبحث فقط عن راتب أعلى، بل عن دولة تحترم كفاءته، وتحمي كرامته، وتضمن له المساواة أمام القانون، وتمنحه فرصة حقيقية للتقدم بعيدًا عن الواسطة والمحسوبية والتمييز.
عندما يشعر الشاب بأن تعليمه واجتهاده لا يكفيان للحصول على وظيفة، وأن الفرص توزع بناء على العلاقات والنفوذ، وأن القانون لا يطبق بالمساواة على الجميع، تتحول الهجرة في نظره من خيار إلى وسيلة نجاة.
تؤكد تقارير دولية متخصصة في سيادة القانون وحقوق الإنسان وجود تحديات حقيقية في أجزاء واسعة من المنطقة العربية، تتعلق باستقلال القضاء، والحد من الفساد، وضمان الحقوق الأساسية، وحرية التعبير والتنظيم، وحماية الأقليات الدينية والعرقية واللغوية. كما تشير دراسات حقوقية إلى وجود فجوات بين النصوص القانونية وبين تطبيقها الفعلي، بما يجعل بعض المواطنين يشعرون بأن حقوقهم ليست ضمانات ثابتة، بل امتيازات قد تتغير بحسب انتمائهم أو موقعهم الاجتماعي.
لا يمكن وضع جميع الدول العربية في مستوى واحد، كما لا يمكن الادعاء بأن كل من يفكر في الهجرة يتعرض لاضطهاد أو انتهاك مباشر. لكن من الصعب إنكار العلاقة بين اتساع الرغبة في الرحيل وبين ضعف الثقة بالمؤسسات، وانسداد الأفق الاقتصادي والسياسي، وتراجع الشعور بالعدالة وتكافؤ الفرص.
المفارقة الكبرى، تتمثل في الخطاب الشعبوي الذي يهاجم الغرب كل صباح، ويتهمه بالانحلال والتآمر والعداء لقيمنا، بينما يحلم عدد كبير من شبابنا كل مساء بالوصول إليه. نهاجم مجتمعات الغرب، لكننا نرسل أبناءنا إلى جامعاته، ونودع أموالنا في بنوكه، ونلجأ إلى مستشفياته ومحاكمه، ونطلب الإقامة والحماية فيه عندما تضيق بنا أوطاننا.
الشباب لا يهاجرون لأنهم يكرهون أوطانهم، بل لأنهم يريدون دولة تحترم الإنسان، وتكافئ المجتهد، وتحمي الحرية، وتوفر العمل الكريم، وتجعل القانون فوق الجميع. وقد يكون أشد الشباب تعلقًا بوطنه هو أكثرهم ألمًا عندما يكتشف أنه عاجز عن بناء مستقبله فيه.
لن توقف الهجرة الأسوار والدوريات والعقوبات وحدها. قد تؤخرها أو تغير طرقها، لكنها لن تعالج أسبابها. والحد من الهجرة غير النظامية يبدأ بإيجاد فرص عمل لائقة، وتحسين الأجور والحماية الاجتماعية، ومحاربة الفساد والواسطة، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان الحريات العامة، وحماية حقوق الأقليات، وإعادة الثقة بأن الاجتهاد والكفاءة يمكن أن يصنعا مستقبلًا داخل الوطن.
عوضًا عن لوم من يركب البحر، علينا أن نطرح السؤال الأصعب: من الذي جعل شابًا في مقتبل العمر يعتقد أن احتمال الغرق في البحر أرحم من استمرار حياته بلا عمل ولا عدالة ولا أمل؟