facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




النجاة من الوطن .. خليج سبتة


عماد عواودة
03-08-2026 08:39 AM

ليست كل الهجرات بحثاً عن أرض جديدة ، فبعضها بحثٌ عن حياةٍ ضاعت في الأرض القديمة ؛ وليس كل عبورٍ للحدود انتقالاً جغرافياً ، فقد يكون أحياناً عبوراً من اليأس إلى الأمل ، أو من الخوف إلى الأمان ، أو من واقعٍ ضاقت به الروح إلى حلمٍ بعيد لا يُعرف ما يخفيه .

توقفت طويلاً عند كلمات الدكتور حسن النعامنة وهو يصف مشهداً مؤلماً رآه عند خليج سبتة ؛ حيث شاهد مواطنين عرباً غادروا أوطانهم، وخاضوا البحر سباحةً وركضاً وسباقاً نحو حدود دولة أخرى ، ثم سجدوا شكراً لله بعد وصولهم ؛ لم يكن المشهد بالنسبة له مجرد خبر عن هجرة أو محاولة عبور للحدود ، بقدر ما كان صورة تختصر وجعاً إنسانياً عميقاً .

يقول الدكتور النعامنة ، بما معناه ، إن الفطرة الإنسانية تدفع الإنسان إلى السجود شكراً لله عندما يعود بعد غياب إلى وطنه ، عندما تطأ قدماه ترابه ، ويتنفس هواءه ، ويرى أهله وذكرياته ، فكيف يصبح السجود لحظة فرحٍ لأنه ابتعد عن الوطن ، لا لأنه عاد إليه؟ ، وكيف تتحول الأرض التي احتضنت الطفولة واللغة والذاكرة إلى مكانٍ يسعى الإنسان للنجاة منه؟ .

من هنا جاء العنوان : « النجاة من الوطن ».

إنه عنوان يحمل مفارقة موجعة ؛ لأن الوطن في الوجدان الإنساني ليس موضعاً يُهرب منه ، بل ملاذاً يُهرب إليه ؛ هو الحضن الأول ، والاسم الأول الذي يتعلمه الطفل ، والرائحة التي تبقى عالقة في الروح مهما ابتعد الإنسان ؛ لكن حين تضيق الحياة بأبنائها ، وحين تتراكم الأزمات حتى يصبح الحلم محصوراً في الرحيل ، فإن بعض الناس لا يعودون يرون الوطن كما ينبغي أن يكون ، لكن كما أصبح في تجربتهم اليومية .

ليس من العدل أن نحمّل المهاجر وحده وزر الرحيل ؛ فالإنسان يبحث عن الخبز والكرامة والأمان ، وهذه حاجات فطرية لا يملك أحد أن يصادرها ، فمن يركب أمواج البحر لا يفعل ذلك دائماً حباً بالمجهول ، بقدر ان يكون هرباً من معلومٍ أثقل قلبه وأتعب روحه .

المأساة الكبرى ليست في أن يعبر الإنسان البحر ، إنما في أن يصل إلى مرحلة يرى فيها البحر أقل خطراً من البقاء ، ويرى الضفة البعيدة أقرب إلى الحياة وتحقيق الأحلام من الأرض التي ولد عليها .

كان الشاعر أحمد شوقي يقول :
«أحرامٌ على بلابله الدوحُ
حلالٌ للطير من كل جنسِ؟»

وكأن السؤال يعود اليوم بصيغة أخرى : هل أصبح بعض أبناء الأوطان محرومين من دفء أغصانها ، بينما يجد غيرهم مكاناً تحت شمسها ؟ .

إن الوطن ليس مجرد حدودٍ وجواز سفر ، إنه عقدٌ معنوي بين الأرض والإنسان ؛ يمنحه الانتماء ويمنحه الأمان ؛ فإذا انقطع هذا العقد ، شعر الإنسان بالغربة وهو في بيته ، وربما شعر بالنجاة حين يبتعد عنه .

مع المفارقة أن الأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بعدد من يغادرونها ، بل بقدرتها على أن تجعل أبناءها يحلمون بالعودة إليها ؛ فالوطن الحقيقي هو الذي يسجد الإنسان شكراً لله حين يعود إليه ، لا حين ينجح في الفرار منه .

ويبقى خليج سبتة ، بكل ما يحمله من صور العبور والانتظار ، شاهداً على سؤالٍ إنساني كبير : حين تصبح النجاة من الوطن حلماً ، فهل المشكلة في الإنسان الذي رحل ، أم في الوطن الذي لم يعد قادراً على احتضان أبنائه؟ ..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :