النجاة من الوطن .. خليج سبتة
عماد عواودة
03-08-2026 08:39 AM
ليست كل الهجرات بحثاً عن أرض جديدة ، فبعضها بحثٌ عن حياةٍ ضاعت في الأرض القديمة ؛ وليس كل عبورٍ للحدود انتقالاً جغرافياً ، فقد يكون أحياناً عبوراً من اليأس إلى الأمل ، أو من الخوف إلى الأمان ، أو من واقعٍ ضاقت به الروح إلى حلمٍ بعيد لا يُعرف ما يخفيه .
توقفت طويلاً عند كلمات الدكتور حسن النعامنة وهو يصف مشهداً مؤلماً رآه عند خليج سبتة ؛ حيث شاهد مواطنين عرباً غادروا أوطانهم، وخاضوا البحر سباحةً وركضاً وسباقاً نحو حدود دولة أخرى ، ثم سجدوا شكراً لله بعد وصولهم ؛ لم يكن المشهد بالنسبة له مجرد خبر عن هجرة أو محاولة عبور للحدود ، بقدر ما كان صورة تختصر وجعاً إنسانياً عميقاً .
يقول الدكتور النعامنة ، بما معناه ، إن الفطرة الإنسانية تدفع الإنسان إلى السجود شكراً لله عندما يعود بعد غياب إلى وطنه ، عندما تطأ قدماه ترابه ، ويتنفس هواءه ، ويرى أهله وذكرياته ، فكيف يصبح السجود لحظة فرحٍ لأنه ابتعد عن الوطن ، لا لأنه عاد إليه؟ ، وكيف تتحول الأرض التي احتضنت الطفولة واللغة والذاكرة إلى مكانٍ يسعى الإنسان للنجاة منه؟ .
من هنا جاء العنوان : « النجاة من الوطن ».
إنه عنوان يحمل مفارقة موجعة ؛ لأن الوطن في الوجدان الإنساني ليس موضعاً يُهرب منه ، بل ملاذاً يُهرب إليه ؛ هو الحضن الأول ، والاسم الأول الذي يتعلمه الطفل ، والرائحة التي تبقى عالقة في الروح مهما ابتعد الإنسان ؛ لكن حين تضيق الحياة بأبنائها ، وحين تتراكم الأزمات حتى يصبح الحلم محصوراً في الرحيل ، فإن بعض الناس لا يعودون يرون الوطن كما ينبغي أن يكون ، لكن كما أصبح في تجربتهم اليومية .
ليس من العدل أن نحمّل المهاجر وحده وزر الرحيل ؛ فالإنسان يبحث عن الخبز والكرامة والأمان ، وهذه حاجات فطرية لا يملك أحد أن يصادرها ، فمن يركب أمواج البحر لا يفعل ذلك دائماً حباً بالمجهول ، بقدر ان يكون هرباً من معلومٍ أثقل قلبه وأتعب روحه .
المأساة الكبرى ليست في أن يعبر الإنسان البحر ، إنما في أن يصل إلى مرحلة يرى فيها البحر أقل خطراً من البقاء ، ويرى الضفة البعيدة أقرب إلى الحياة وتحقيق الأحلام من الأرض التي ولد عليها .
كان الشاعر أحمد شوقي يقول :
«أحرامٌ على بلابله الدوحُ
حلالٌ للطير من كل جنسِ؟»
وكأن السؤال يعود اليوم بصيغة أخرى : هل أصبح بعض أبناء الأوطان محرومين من دفء أغصانها ، بينما يجد غيرهم مكاناً تحت شمسها ؟ .
إن الوطن ليس مجرد حدودٍ وجواز سفر ، إنه عقدٌ معنوي بين الأرض والإنسان ؛ يمنحه الانتماء ويمنحه الأمان ؛ فإذا انقطع هذا العقد ، شعر الإنسان بالغربة وهو في بيته ، وربما شعر بالنجاة حين يبتعد عنه .
مع المفارقة أن الأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بعدد من يغادرونها ، بل بقدرتها على أن تجعل أبناءها يحلمون بالعودة إليها ؛ فالوطن الحقيقي هو الذي يسجد الإنسان شكراً لله حين يعود إليه ، لا حين ينجح في الفرار منه .
ويبقى خليج سبتة ، بكل ما يحمله من صور العبور والانتظار ، شاهداً على سؤالٍ إنساني كبير : حين تصبح النجاة من الوطن حلماً ، فهل المشكلة في الإنسان الذي رحل ، أم في الوطن الذي لم يعد قادراً على احتضان أبنائه؟ ..