الأمن الوطني: نظرة شمولية
أ.د أحمد بطَّاح
03-08-2026 11:16 AM
إنّ مما لا شك فيه أنّ الأمن الوطني لأية دولة لا يعني المحافظة على حدود البلاد من الاعتداءات الخارجية فقط، ولا يعني كذلك الحفاظ على الأمن الداخلي من أية رجّات داخلية فقط، بل إنه يعني المحافظة على استقرار البلاد، وتمكينها من ممارسة سيادتها، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وإذا أخذنا بهذا الفهم للأمن الوطني فإنّنا يمكن أن نشير إلى جملة أبعاد (أو عوامل) لا بدّ من توفرها لهذا الأمن، ولعلّ من أهمها:
أولاً: الأمن السياسي: وهو باختصار تمتع النظام بقدر مُعتبر من الشرعية (legitimacy)، وقدرته على تمثيل مصالح المجتمع والدفاع عنها، وذلك من خلال أذرعه السياسية (السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية)، وغني عن القول أن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتوفير أقصى قدر من المشاركة السياسية (political participation)، وبتكريس سيادة القانون بكل ما يترتب عليه من تطبيق مفاهيم العدل والمساواة على الجميع بغير استثناء.
ثانياً: الأمن العسكري: والذي يعني قدرة البلاد على الدفاع عن حدودها عسكرياً ضد أي اعتداء، كما يعني في ذات الوقت قدرة الأجهزة الأمنية (شرطة، مخابرات...) من ضبط الأمن الداخلي والحفاظ على السلم الأهلي والحيلولة دون حدوث أية تجاوزات مُضرة بالأمن والاستقرار.
ثالثاً: الأمن الاقتصادي: وهو يعني ببساطة توفر اقتصاد قوي يوفر فرص العمل للأفراد، ويتيح لهم دخل معقول يمكنهم من العيش الكريم، ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى ضرورة توفر طبقة وسطى (Middle Class) كبيرة تعكس الاستقرار المجتمعي، ولعلّ من طبائع الأمور أن تكون هناك طبقة عليا (High Class) بنسبة 10% تزيد أو تنقص، وأن تكون هناك طبقة دنيا فقيرة (Low Class) بنسبة 10% تزيد أو تنقص، ولكن من الأهمية بمكان أن تظل هناك طبقة وسطى تشكل الأغلبية وتعيش بحد معقول من الاكتفاء الاقتصادي. إنّ الأمن الاقتصادي مهم للغاية لأنه هو الذي يمكّن الدولة من تحقيق كل أشكال الأمن الأخرى وبالذات الأمن العسكري الذي يحافظ على كيان الدولة: خارجياً وداخلياً.
رابعاً: الأمن الاجتماعي: وهو يعني تماسك المجتمع وانسجامه ووحدته وهذا بالطبع متصل بمدى توفر عوامل جامعة بين ابنائه كاللغة، والدين، والتاريخ، والعرق، والمصالح المشتركة، وغني عن القول أن النظام السياسي يلعب دوراً مهماً في الحفاظ على الأمن الاجتماعي فهو الذي يعظم "المشتركات" بين أبناء المجتمع، وهو الذي "يقلل" من عوامل الفرقة بين أبنائه كذلك، والواقع أن الأمن الاجتماعي هو حصيلة للأمن الاقتصادي، والأمن العسكري، والأمن السياسي وغيرها إذْ كلما توفرت أشكال الأمن هذه كلما تكرس الأمن الاجتماعي.
خامساً: الأمن الغذائي والمائي: فتوفر الغذاء والماء شيء أساسي لاستمرارية الحياة، ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأنً حروباً قد تقع بين الدول حول مصادر الماء والغذاء، كما أننا قد لا نبالغ إذا قلنا بأنّ دولاً كثيرة تمارس تأثيراً ونفوذاً (Leverage) على دول أخرى بسبب ندرة الماء والغذاء فيها. إنّ هذه الحقيقة تتيح لنا القول بأنّ استقلال القرار السياسي مرتبط بالضرورة بتوفر أساسيات الحياة (الماء والغذاء) فإذا اُفتقدت هذه الأساسيات تضررت فرص استقلالية القرار السياسي.
سادساً: الأمن الدبلوماسي: إنّ دول العالم لا تعيش في جزر منفصلة بعضها عن البعض الآخر بل تتفاعل ضمن ما أطلق عليه "مارشال مالكوهان" القرية الواحدة (Universal Village) ولذا فإنّ من مقومات الأمن لأية دولة أن تكون لها علاقات إقليمية ودولية ناجحة تخدم مصالحها فالدول الإقليمية مهمة لأية دولة لأنها تشكل الجوار لها ولذا فإنّ من السهولة بمكان أن تتبادل معها العلاقات بأشكالها والتي تخدمها بشكل أو بآخر، ولعلّ ما هو أهم من ذلك أن تكون لأية دولة علاقات دولية مُوفقة (وبالذات مع الدول الكبرى) فالعلاقات مع الدول الأخرى تسهل تحقيق الدولة لغاياتها سواء أكانت سياسية، أو اقتصادية، أو عسكرية، والعلاقات مع الدول الكبرى تحمي الدولة وتضمن مصالحها في الهيئات الدولية وتجنبها في نفس الوقت نفوذ الدول الكبرى الأخرى وتحالفاتها. إنّ الأمن الدبلوماسي يعني ببساطة قدرة الدولة على فهم البيئة السياسية الدولية والتفاعل الناجح مع القوى النافذة فيها بحيث يتحقق أمن الدولة وتتحقق مصالحها بأفضل السبل وأيسرها.
وختاماً، فإنّ الأمن الوطني (أو ما يُسمى القومي أحياناً) لا يتحقق بتوفر بعد أو عامل واحد فقط (السياسي، العسكري...) ولكنه يتحقق بتوفر كل الأبعاد أو العوامل التي أشرنا إليها متفاعلةً مع بعضها، ولا شك أن النظام السياسي الذكي هو الذي يدرك أهمية هذه الأبعاد وأنماط تفاعلها والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها.