facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المصلحة العامة


محمد الأحمد
04-08-2026 04:40 PM

لا يختلف اثنان على أن تطوير البنية التحتية، وفي مقدمتها شبكة السكك الحديدية، يمثل هدفًا وطنيًا يخدم الاقتصاد ويعزز التنمية ويخفف من أعباء النقل. كما أن المصلحة العامة تقتضي تنفيذ المشاريع الاستراتيجية التي تعود بالنفع على الدولة والمجتمع. لكن المصلحة العامة لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة للانتقاص من الحقوق الدستورية للمواطنين أو المساس بالملكية الخاصة التي كفلها الدستور وحماها باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للدولة الحديثة.

إن القانون الأخير الذي يجيز للحكومة اقتطاع ما يصل إلى ربع مساحة الأراضي الخاصة المجاورة لمسار السكك الحديدية يثير إشكاليات دستورية وقانونية عميقة. فالدستور الأردني وضع حماية الملكية الخاصة ضمن المبادئ الأساسية، ولم يجعل المساس بها أمرًا مفتوحًا، بل قيده بضوابط صارمة تحقق التوازن بين المنفعة العامة وحقوق الأفراد. أما منح الإدارة صلاحية واسعة لاقتطاع أجزاء من أملاك المواطنين، وبخاصة عندما تكون هذه الأراضي مساكن أو جزءًا من ممتلكاتهم الخاصة، فإنه يفتح الباب أمام مساس مباشر بحق دستوري لا يجوز الانتقاص منه إلا في ما اجازه الدستور في أضيق الحدود ووفق ضمانات واضحة وعادلة.

ولا يقف الضرر عند حدود فقدان جزء من الأرض، بل يمتد إلى انخفاض القيمة السوقية لما يتبقى منها. فالكثير من هذه العقارات هي مساكن أو أراضٍ مخصصة للسكن، وسيؤدي مرور السكة الحديدية بالقرب منها إلى تراجع قيمتها الاستثمارية والسكنية، ليجد المواطن نفسه قد خسر جزءًا من ملكيته، ثم خسر جزءًا آخر من قيمتها، وكل ذلك تحت عنوان “المصلحة العامة”.

وفي المقابل، فإن الأراضي التي يُتوقع أن ترتفع قيمتها نتيجة إنشاء محطات أو مناطق لوجستية أو مشاريع اقتصادية مرتبطة بالسكك الحديدية هي في الغالب أراضٍ مملوكة للدولة أو أراضٍ مشاع تقع في مناطق قليلة العمران نسبيًا. وهذا يعني أن الدولة تمتلك أصلًا مساحات واسعة يمكن استثمارها لتحقيق العوائد الاقتصادية للمشروع دون تحميل المواطنين أعباء إضافية أو المساس بحقوقهم الدستورية.

إن احترام الملكية الخاصة ليس عقبة أمام التنمية، بل هو أحد أهم شروطها. فلا يمكن بناء بيئة استثمارية مستقرة إذا شعر المواطن أو المستثمر أن ملكيته قد تكون عرضة للاقتطاع بقرارات تشريعية تتجاوز الضمانات الدستورية. فالثقة بالقانون تبدأ من احترام حق الملكية، وهو ما ينعكس مباشرة على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في الاقتصاد الوطني.

ومن هذا المنطلق، فإن التيار المدني سيواصل خلال المرحلة المقبلة التحرك بكل الوسائل القانونية والدستورية للدفاع عن الحقوق الخاصة التي صانها الدستور وكفل حمايتها، انطلاقًا من إيمانه بأن التنمية الحقيقية لا تقوم على إضعاف حقوق الأفراد، وإنما على تحقيق التوازن بين متطلبات المصلحة العامة وسيادة الدستور.

ولا يزال المجال متاحًا أمام مجلس الأمة والحكومة لإعادة النظر في هذا القانون وإجراء التعديلات اللازمة عليه، إذ إنه لم يدخل حيز النفاذ بعد، الأمر الذي يجعل تصويب النصوص المثيرة للجدل ممكنًا دون إجراءات معقدة. وهذه فرصة لإثبات أن الدولة تستمع إلى الملاحظات القانونية والدستورية، وأنها حريصة على إصدار تشريعات تحقق التنمية وتحفظ الحقوق في آن واحد.

إن حماية الملكية الخاصة ليست امتيازًا يمنح للمواطن، بل هي التزام دستوري يقع على عاتق الدولة. والحكومة مطالبة اليوم بأن تؤكد هذا الالتزام، وأن تجعل من احترام الدستور وحماية الملكية أحد الأسس التي تقوم عليها سياساتها الاقتصادية والتنموية، لأن الاستثمار لا يزدهر إلا في ظل سيادة القانون، ولا تتحقق المصلحة العامة إلا عندما يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة لا منقوصة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :