رجل الدين بين الهداية والتوظيف
عماد عواودة
05-08-2026 08:28 AM
ليس في حياة المجتمعات شخصيةٌ تلامس وجدان الناس كما يفعل رجل الدين ؛ فهو يقف عند تقاطع الإيمان والأخلاق ، ويخاطب الإنسان في لحظات ضعفه وقوته ، وفرحه وحزنه ، ويمنح للكلمة بعداً يتجاوز حدود الحياة اليومية ؛ ولهذا لم يكن حضوره في التاريخ حضوراً وظيفياً فحسب ، إنما كان حضوراً وجدانياً ، تتشكل حوله الثقة ، وتُبنى عليه القناعات ، وتُستمد منه الطمأنينة .
هنا تكمن أهمية هذا الدور ، كما يكمن مكمن خطورته ...
الرسالة الدينية في جوهرها دعوة إلى الهداية ، وإيقاظ الضمير ، وتقويم السلوك ، وربط الإنسان بمنظومة أخلاقية تعلو على الأهواء والمصالح ؛ غير أن التاريخ يخبرنا بأن كل قوة مؤثرة في المجتمع تبقى عرضة لأن تتحول ، في ظروف معينة ، إلى أداة تُستخدم في غير الغاية التي وُجدت من أجلها .
وهنا يبرز الفارق الدقيق بين الهداية والتوظيف ؛ فالهداية تجعل رجل الدين خادماً وقائما على القيم ، أما التوظيف فقد يجعل القيم نفسها في خدمة أهداف أخرى ؛ وقد يكون هذا التوظيف سياسياً ، أو اجتماعياً ، أو إعلامياً ، أو حتى اقتصادياً ، حين يُستثمر الخطاب الديني لترويض المجتمع ، أو لتسويق فكرة ، أو لإضفاء المشروعية على موقف ، أو لتشكيل رأي عام يخدم غايات لا تنتمي إلى جوهر الرسالة الدينية .
ولا يشترط أن يكون ذلك كله نتيجة سوء نية ، فقد ينشأ أحياناً من ضغوط الواقع ، أو من طبيعة الموقع الوظيفي ، أو من القيود التي تفرضها المؤسسات الدينية وغير الدينية ، أو من رغبة نفسية لرجل الدين في المحافظة على المكانة ، أو الخشية من فقدان التأثير ، أو من اعتقاد صادق بأن حماية الاستقرار تقتضي مواقف معينة ؛ هنا لا يعود السؤال متعلقاً بالأشخاص ، بقدر ما يتعلق بالبنية التي تُنتج هذا الدور ، والحدود الفاصلة بين الرسالة والوظيفة .
فكلما اتسعت مساحة التأثير ، ازدادت الحاجة إلى اليقظة ؛ لأن الكلمة التي تخرج من موقع يحظى بالثقة ، لا تُقاس بوزنها اللغوي ، لكن بما تتركه من أثر في العقول والقلوب .
وإنّ أعظم ما يحتاجه رجل الدين هو أن يبقى أميناً على رسالته قبل أن يكون أميناً على موقعه ، وأن يدرك أن مكانته الحقيقية لا تُستمد من قربه من مراكز القوة ، بقدر ما تستمد من قربه من الحقيقة التي يحملها والرسالة التي يؤديها ، ومن استقلال ضميره في تبليغها .
إن القضية ليست في رجل الدين فقط ، ولكن في كل موقع يملك القدرة على تشكيل الوعي ؛ فحين تتحول الرسالة إلى وظيفة ، أو تتحول الوظيفة إلى رسالة ، تبدأ المسافات بالاختلاط ، ويصبح من العسير التمييز بين ما يُقال للهداية ، وما يُقال لغاية أخرى.
هذا السؤال بداية طريق لا نهايته ؛ فالتاريخ لم يعرف مؤسسة مؤثرة بقيت بمنأى عن محاولات التوجيه أو الاستعمال ؛ ولعل البحث في هذه الظاهرة ، بأبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية ، يفتح باباً لفهم أوسع لكيفية صناعة الوعي ، وللدور الذي تؤديه الكلمة حين تغادر فضاء الإقناع إلى فضاء التأثير .