facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رجل الدين بين الهداية والتوظيف


عماد عواودة
05-08-2026 08:28 AM

ليس في حياة المجتمعات شخصيةٌ تلامس وجدان الناس كما يفعل رجل الدين ؛ فهو يقف عند تقاطع الإيمان والأخلاق ، ويخاطب الإنسان في لحظات ضعفه وقوته ، وفرحه وحزنه ، ويمنح للكلمة بعداً يتجاوز حدود الحياة اليومية ؛ ولهذا لم يكن حضوره في التاريخ حضوراً وظيفياً فحسب ، إنما كان حضوراً وجدانياً ، تتشكل حوله الثقة ، وتُبنى عليه القناعات ، وتُستمد منه الطمأنينة .

هنا تكمن أهمية هذا الدور ، كما يكمن مكمن خطورته ...

الرسالة الدينية في جوهرها دعوة إلى الهداية ، وإيقاظ الضمير ، وتقويم السلوك ، وربط الإنسان بمنظومة أخلاقية تعلو على الأهواء والمصالح ؛ غير أن التاريخ يخبرنا بأن كل قوة مؤثرة في المجتمع تبقى عرضة لأن تتحول ، في ظروف معينة ، إلى أداة تُستخدم في غير الغاية التي وُجدت من أجلها .

وهنا يبرز الفارق الدقيق بين الهداية والتوظيف ؛ فالهداية تجعل رجل الدين خادماً وقائما على القيم ، أما التوظيف فقد يجعل القيم نفسها في خدمة أهداف أخرى ؛ وقد يكون هذا التوظيف سياسياً ، أو اجتماعياً ، أو إعلامياً ، أو حتى اقتصادياً ، حين يُستثمر الخطاب الديني لترويض المجتمع ، أو لتسويق فكرة ، أو لإضفاء المشروعية على موقف ، أو لتشكيل رأي عام يخدم غايات لا تنتمي إلى جوهر الرسالة الدينية .

ولا يشترط أن يكون ذلك كله نتيجة سوء نية ، فقد ينشأ أحياناً من ضغوط الواقع ، أو من طبيعة الموقع الوظيفي ، أو من القيود التي تفرضها المؤسسات الدينية وغير الدينية ، أو من رغبة نفسية لرجل الدين في المحافظة على المكانة ، أو الخشية من فقدان التأثير ، أو من اعتقاد صادق بأن حماية الاستقرار تقتضي مواقف معينة ؛ هنا لا يعود السؤال متعلقاً بالأشخاص ، بقدر ما يتعلق بالبنية التي تُنتج هذا الدور ، والحدود الفاصلة بين الرسالة والوظيفة .

فكلما اتسعت مساحة التأثير ، ازدادت الحاجة إلى اليقظة ؛ لأن الكلمة التي تخرج من موقع يحظى بالثقة ، لا تُقاس بوزنها اللغوي ، لكن بما تتركه من أثر في العقول والقلوب .

وإنّ أعظم ما يحتاجه رجل الدين هو أن يبقى أميناً على رسالته قبل أن يكون أميناً على موقعه ، وأن يدرك أن مكانته الحقيقية لا تُستمد من قربه من مراكز القوة ، بقدر ما تستمد من قربه من الحقيقة التي يحملها والرسالة التي يؤديها ، ومن استقلال ضميره في تبليغها .

إن القضية ليست في رجل الدين فقط ، ولكن في كل موقع يملك القدرة على تشكيل الوعي ؛ فحين تتحول الرسالة إلى وظيفة ، أو تتحول الوظيفة إلى رسالة ، تبدأ المسافات بالاختلاط ، ويصبح من العسير التمييز بين ما يُقال للهداية ، وما يُقال لغاية أخرى.

هذا السؤال بداية طريق لا نهايته ؛ فالتاريخ لم يعرف مؤسسة مؤثرة بقيت بمنأى عن محاولات التوجيه أو الاستعمال ؛ ولعل البحث في هذه الظاهرة ، بأبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية ، يفتح باباً لفهم أوسع لكيفية صناعة الوعي ، وللدور الذي تؤديه الكلمة حين تغادر فضاء الإقناع إلى فضاء التأثير .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :