النظام العالمي الجديد و"تصفير الحوكمة"
مجد جلال عباسي
05-08-2026 09:49 AM
لطالما وُعد العالم بعد الحرب العالمية الثانية بنظام عالمي تحكمه المؤسسات، والقانون الدولي، ومبادئ الحوكمة التي تضمن المساءلة، والشفافية، والعدالة بين الدول. لكن مع تطور ملامح "النظام العالمي الجديد"، خاصة في العقدين الأخيرين، برزت ظاهرة خطيرة يُمكن وصفها بـ "تصفير الحوكمة".
تصفير الحوكمة لا يعني غياب القوانين على الورق، بل يعني التجاهل التام والممنهج لتطبيقها، حيث تخلت القوى الكبرى عن الالتزام بأي مبدأ أو متطلب من متطلبات الحوكمة الدولية، وتحولت الهيئات الرقابية والعالمية إلى مجرد هياكل شكلية لا تملك سلطة التنفيذ أو المحاسبة.
ماذا يعني "تصفير الحوكمة" دولياً؟
تقوم الحوكمة الدولية الرشيدة على عدة أعمدة رئيسية: سيادة القانون، المساءلة، العدالة، والشفافية. تصفير هذه الحوكمة يعني هدم هذه الأعمدة بالكامل من خلال:
1. ازدواجية المعايير: تطبيق القانون الدولي بصرامة على الدول الضعيفة، وتجاهله تماماً عندما يتعلق الأمر بالقوى العظمى أو حلفائها.
2. شلل آليات المحاسبة: استخدام حق النقض (الفيتو) كدرع لحماية المعتدين من أي مساءلة قانونية أو أممية.
3. تغليب القوة الصلبة على الدبلوماسية: الاعتماد على العمل العسكري الأحادي بعيداً عن مظلة الأمم المتحدة.
أمثلة من الحروب: كيف سقطت مبادئ الحوكمة؟
تُعد الصراعات المسلحة والحروب الحديثة المقياس الحقيقي لمدى فعالية الحوكمة الدولية. وقد أثبتت هذه الأزمات أن النظام العالمي الجديد قد "صَفَّر" التزاماته بشكل شبه كامل:
1. غزو العراق (2003): تجاوز مجلس الأمن
يُعتبر هذا الحدث نقطة تحول مفصلية في تصفير الحوكمة. فقد تم شن الحرب وتغيير نظام سياسي كامل دون غطاء شرعي من مجلس الأمن الدولي. تم تهميش الأمم المتحدة بالكامل، وتجاهل تقارير المفتشين الدوليين، مما أثبت أن القوة العسكرية قادرة على تجاوز أي إطار قانوني أو مؤسسي.
2. غزة والشرق الأوسط: تهميش المحاكم الدولية
في النزاعات الأخيرة في غزة، صدرت قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتدابير مؤقتة من محكمة العدل الدولية ، بل وتلويحات من المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، تم تجاهل هذه القرارات بالكامل. هذا التجاهل كشف عن عجز غير مسبوق للمؤسسات الرقابية والقضائية العالمية، حيث تُرفض قراراتها وتُتهم بالانحياز بمجرد أن تتعارض مع مصالح قوى بعينها.
كيف غُيِّبت الجهات الرقابية والهيئات العالمية؟
لم يكن تهميش الهيئات العالمية (مثل الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية) محض صدفة، بل تم عبر آليات ممنهجة:
1. الابتزاز المالي والسياسي: يتم في كثير من الأحيان التهديد بقطع التمويل عن المنظمات الأممية (مثلما حدث مع منظمة الصحة العالمية أو الأونروا في فترات مختلفة) إذا اتخذت مواقف لا تتوافق مع إرادة الدول المانحة الكبرى.
2. التشويش على استقلالية القضاء الدولي: عندما حاولت المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيقات في جرائم حرب محتملة لبعض القوى الكبرى أو حلفائها، قوبلت بفرض عقوبات على قضاتها ومسؤوليها، وهو ما يُمثل اغتيالاً صريحاً لمبدأ استقلالية الرقابة.
3. تفريغ المعاهدات من مضمونها: الانسحاب الأحادي من معاهدات دولية حيوية (مثل اتفاقيات المناخ، أو المعاهدات النووية)، مما يجعل النظام الرقابي الدولي صوري.
إن "تصفير الحوكمة" في النظام العالمي الجديد لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لتحول العالم من نظام قائم (ولو نظرياً) على التعددية والقانون، إلى نظام يحكمه منطق القوة والمصالح الضيقة. تغييب الهيئات الرقابية لا يعني فقط فشل هذه المؤسسات، بل يُنذر بالعودة إلى حالة من الفوضى الدولية التي يدفع ثمنها دائماً الدول الأضعف والمدنيون العُزّل.