نقابة المهندسين وحل أزمة التقاعد .. مسؤولية جماعية قبل فوات الأوان
م. عبدالفتاح الدرادكة
06-08-2026 04:01 PM
تواجه نقابة المهندسين الأردنيين اليوم واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها، وهي أزمة صندوق التقاعد التي لم تعد مجرد قضية مالية، بل أصبحت قضية تمس الأمن الاجتماعي والمهني لعشرات الالاف من المهندسين وأسرهم. فالعديد من المهندسين المتقاعدين يعتمدون على الراتب التقاعدي بوصفه مصدر دخلهم الوحيد، فيما ينتظر آلاف المشتركين الحاليين أن يحفظ لهم الصندوق حقوقهم بعد سنوات طويلة من الاشتراك والاستقطاع.
بدأت ملامح الأزمة بالظهور فبل ما يزيد على العشر سنوات عندما رفضت الهيئة العامة مقترحات لمعالجة أوضاع الصندوق، وسط تبادل للاتهامات بين مختلف التيارات داخل النقابة بشأن أسباب تراجع أوضاعه، سواء نتيجة قرارات استثمارية لم تحقق النتائج المرجوة أو بسبب صراعات لونية امتدت لسنوات، إضافة إلى أثر وقف الإلزامية في الاشتراك بالصندوق منذ عام 1999، وهو ما انعكس على تدفق الإيرادات مقارنة بالالتزامات المتزايدة.
واليوم، يعتمد الصندوق بصورة رئيسية على اشتراكات المهندسين العاملين لتمويل رواتب المتقاعدين، بينما تتزايد أعداد المستفيدين بصورة مطردة، لترتفع الالتزامات الشهرية إلى ملايين الدنانير. وفي المقابل، أصبح الصندوق عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته كاملة، إذ لا يتم صرف سوى جزء من المستحقات، مع تأخير متكرر في صرف الرواتب، الأمر الذي ألحق ضرراً بالغاً بالمتقاعدين الذين بنوا خطط حياتهم ومستقبل أسرهم على هذه الرواتب.
ومع تفاقم الأزمة، لجأ عدد من المتقاعدين إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم، وهو حق يكفله القانون بلا شك. إلا أن معالجة الأزمة بهذه الطريقة الفردية قد تخلق آثاراً جماعية خطيرة، إذ إن تنفيذ الأحكام القضائية قد لا يقتصر على موجودات صندوق التقاعد، بل قد يمتد إلى الذمة المالية للنقابة إذا لم تكن هناك حماية قانونية وفصل واضح بين الصناديق. وهذا يعني أن صناديق أساسية مثل صندوق التأمين الصحي، وصندوق التكافل الاجتماعي، وحتى الصندوق الرئيسي للنقابة، قد تصبح عرضة للتنفيذ، بما يهدد استقرار النقابة بأكملها ويعرض حقوق جميع المهندسين للخطر.
إن نقابة المهندسين ليست مجرد مؤسسة تدير اشتراكات أو تقدم خدمات، بل هي بيت الخبرة الهندسية في الأردن، وحاضنة للمهنة، ومدافع عن حقوق منتسبيها، وصاحبة دور وطني ومهني يحظى باحترام واسع على المستويين العربي والإقليمي. وأي إضعاف للنقابة أو انهيار لمؤسساتها سيترك آثاراً تتجاوز المتقاعدين لتشمل جميع المهندسين العاملين والأجيال القادمة.
لذلك، فإن الحل الحقيقي لا يمكن أن يكون فردياً، بل يجب أن يكون جماعياً، يقوم على توافق وطني ونقابي يعيد بناء الثقة بالصندوق ويضمن استدامته. ويأتي في مقدمة الإجراءات المطلوبة الإسراع في إيجاد إطار قانوني يفصل الذمم المالية للصناديق المختلفة، بحيث لا تمتد آثار أزمة صندوق التقاعد إلى التأمين الصحي أو التكافل أو الصندوق الرئيسي للنقابة.
كما أن الحكومة مطالبة بأن تكون شريكاً في الحل، فعدد المهندسين المسجلين يتجاوز مئتي ألف مهندس، ومع احتساب أسرهم فإن هذه الشريحة تمثل نسبة مؤثرة من المجتمع الأردني. ومن ثم، فإن استقرار نقابتهم ليس شأناً نقابياً داخلياً فحسب، بل قضية ذات بعد اجتماعي واقتصادي تستحق اهتماماً رسمياً عاجلاً.
إن إنقاذ صندوق التقاعد اليوم ليس دفاعاً عن مؤسسة مالية فحسب، بل هو دفاع عن حقوق المتقاعدين، وعن مستقبل المهندسين الشباب، وعن مكانة نقابة شكلت على مدى عقود ركيزة للعمل الهندسي في الأردن. وكلما تأخر الحل، ارتفعت الكلفة وتعقدت الخيارات، ولذلك فإن الوقت قد حان لإطلاق مبادرة وطنية شاملة تنقذ الصندوق وتحمي النقابة وتصون حقوق جميع المهندسين، بعيداً عن الانقسامات، وبما يحقق العدالة والاستدامة للأجيال الحالية والقادمة.
والله من وراء القصد