لماذا نجحت الولايات المتحدة في العراق وأخفقت في إيران؟!
أ.د أحمد بطَّاح
10-08-2026 10:59 AM
تكاد الحرب الأمريكية على إيران تطوي شهر السادس حيث بدأت في 28/02/2026 وما زالت فصولها تتوالى وليس هناك من نهاية وشيكة في الأفق، وإذا قارنا حرب الولايات المتحدة هذه على إيران بحربها على العراق في عام 1991، فإنّنا نلاحظ بسرعة أنّ تلك انتهت بسرعة وبنتائج حاسمة حيث قصفت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق لمدة خمسة أسابيع ثم أدخلت قواتها البرية وخلال مدة مائة (100) ساعة لا أكثر كانت قد طردت القوات العراقية من الكويت ولم تخسر أكثر من (147) جندياً!
إنّ السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هُنا هو لماذا نجحت الولايات المتحدة في مواجهتها مع العراق في حين أخفقت (حتى الآن على الأقل) مع إيران؟ إنّ هناك عدة أسباب لهذا الذي حدث ولعلّ أهمها:
أولاً: أنّ الولايات المتحدة خاضت حرباً شرعية legitimacy (بمعنى الاستناد إلى ما يسمى بالشرعية الدولية) مع العراق، حيث تسلحت بالقرار (678) الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي وسمح "باستعمال جميع الوسائل" لإخراج القوات العراقية من الكويت إذا لم تنسحب قبل 15 يناير كانون الثاني 1991، والواقع أن الولايات المتحدة نجحت في تأليب العالم ضد العراق بسبب احتلاله الكويت ومعروف أن عدة دول عربية شاركت (بصورة أو بأخرى) في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة، أما بما يتعلق بإيران فإنّ الولايات المتحدة لم تكلف نفسها الذهاب إلى الأمم المتحدة لاستصدار قرار "يشرعن" هجومها على إيران، ومعلوم أن معظم دول حلف شمال الأطلسي (Nato) اعتبرت أن الحرب الأمريكية على إيران "ليست حربها"، ومعلوم كذلك أن معظم الأمريكيين (أكثر من 65% حسب الاستطلاعات) كانوا ضد الحرب على إيران بل إنّ كثيرين منهم اعتبروا أنها حرب شنتها الولايات المتحدة لصالح إسرائيل وبتحريض من رئيس وزرائها نتنياهو!
ثانياً: أنّ أهداف الولايات المتحدة من حربها على العراق كانت واضحة وهي تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، في حين أن أهدافها في حربها على إيران كانت غير واضحة تماماً، وقد يكون من الصعب تطبيقها، فهل من السهل تدمير البرنامج النووي العراقي؟ وهل من المعقول حرمان إيران من قدراتها الصاروخية في حين أن آخرين يملكونها كما قال ترامب؟، وهل من السهل تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة في حين أن هذا النفوذ له حواضن حقيقية في بعض الدول؟، ناهيك عن أن بعض الأهداف كانت غير معلنة كالقضاء على النظام السياسي الإيراني واستبداله بنظام آخر يدخل في منظومة الولايات المتحدة وحلفائها.
ثالثاً: استخدمت الولايات المتحدة القوة البرية في إخراج القوات العراقية من الكويت وهذا ما حسم الحرب في الواقع وبخاصة بعد خمسة أسابيع من القصف الجوي المكثف على العراق والكويت في حين أنها اكتفت بالقصف الجوي في حربها الأخيرة على إيران ولم تحاول استخدام قواتها البرية لأنها تعلم أن ثمن ذلك سوف يكون باهضاً من أرواح الجنود الأمريكيين الأمر الذي لن يرضاه الرأي العام الأمريكي غير المتحمس للحرب أصلاً وهو ما سينعكس حكماً في الانتخابات النصفية المقررة في شهر أكتوبر من هذا العام. إنّ القصف الجوي -كما يتفق الخبراء العسكريون- قد ينجح في التدمير، ولكنه بالقطع ليس كافياً لتغيير النظام السياسي على الأرض. إنّ الولايات المتحدة في الواقع لم تمتلك "شهية المخاطرة" وقد تمخض ذلك عن نتائج غير حاسمة في الحرب.
رابعاً: حاربت الولايات المتحدة في العراق حرباً تقليدية مستغلةً تفوقها التكنولوجي الساحق، بينما اضطرت في حربها مع إيران إلى الدخول في حرب "غير متناظرة" حيث رفعت إيران عليها كلفة الحرب باستخدام مضيق هرمز الذي منع العالم كله من استقبال 20% من الطاقة، كما أن مهاجمة إيران لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج حال دون تصديرهم لنفطهم وغازهم بل وجعلهم في مرمى النيران الإيرانية، الأمر الذي نقل المعركة من ميدان بين الولايات المتحدة وإيران فقط إلى معركة ميدانها العالم كله الذي يئن اقتصادياً بسبب إغلاق مضيق هرمز والحيلولة دون تصدير النفط والغاز والأسمدة وما يترتب على ذلك من غلاء في الأسعار، وانقطاع في سلاسل الإمداد، وفقدان لبعض لوازم الأمن الغذائي.
خامساً: واجهت الولايات المتحدة في العراق نظاماً سياسياً سلطوياً (نظام صدام حسين) فَقَدَ جزءاً مهماً من قاعدته الشعبية (الأكراد والشيعة) ولم يعد الحزب فيه (حزب البعث العربي الاشتراكي) سوى مظلة لحكم فردي مطلق برغم نزعته القومية والمخلصة، بينما واجهت الولايات المتحدة في إيران نظاماً أيديولوجياً متجذراً (منذ عام 1979) استطاع أن يفيق من الضربة الأولى بسرعة، ويعوّض القيادات المهمة التي فقدها، بل استطاع أن يرد (ولو بشكل اقل وغير متناسب) على الهجوم الأمريكي، وقد دلت الجموع الإيرانية التي نزلت إلى الشوارع وتلك التي ودعت المرشد الأعلى (علي خامنئي) أن الإيرانيين أدركوا أن بلادهم تتعرض إلى حرب وجودية (نكون أو لا نكون) ولذا فقد التفوا حول علم بلادهم لرد الهجمة الأمريكية أولاً وقبل كل شيء.
سادساً: واجهت الولايات المتحدة في الحرب ضد العراق بلداً محاطاً بأعدائه في المنطقة (إيران، الكويت، السعودية، سوريا) في حين وقفت بعض الدول المجاورة الأخرى على الحياد ولا ننسى طبعاً أن حليفه الدولي الأكبر (الاتحاد السوفيتي) كان قد انهار فعلاً، بينما واجهت الولايات المتحدة في حربها على إيران بلداً محاطاً بدول متعاطفة معها (العراق، اذربيجان، ارمينيا، باكستان...) وذلك فضلاً عن تعاطف وربما دعم الدولتين العظميين (روسيا والصين)، ولعلّ سعه المساحة الايرانية (1,600,000) كم2 وضخامة الكتلة السكانية (100 مليون) تقريباً أعطت لإيران بعداً مكّنها من الصمود والتصدي أكثر من العراق.
وختاماً، فإنّ حرب الولايات المتحدة على العراق تمت بسرعة نسبية وبنجاح كبير، أبرز الولايات المتحدة كقوة كونية لا نظير لها (عالم أحادي القطب) بينما تمخضت الحرب الأمريكية على إيران عن نجاح جزئي ونتائج غير مضمونة، الأمر الذي دلّ بوضوح على أن عالم القطب الواحد قد انتهى أو في طريقه إلى الانتهاء، كما دلّ على أن قوة متوسطة مثل إيران تستطيع تحدي الولايات المتحدة وإرغامها على الدخول في "حرب غير متناظرة" تخسرها في النهاية وهو ما أشار إليه وزير الدفاع الأمريكي السابق (ليون بانيتا) الذي قال بأن الولايات المتحدة "تورطت في حرب لا يمكن أن تكسبها".
إنّ الحرب الأمريكية على إيران ما زالت دائرة ولكن كثيراً من دروسها يمكن استنتاجه ولا شك أن ذلك لن ينعكس على منطقة الشرق الأوسط فقط بل سوف ينعكس على العالم كله بدوله الصغيرة، والمتوسطة، والعظمى.