facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من نتائج التوجيهي إلى وظائف 2030 .. الأردن يصنع مستقبل


أ.د احمد منصور الخصاونة
11-08-2026 09:43 AM

نُبارك للطلبة الناجحين في امتحان التوجيهي، ونقول لمن لم يُكتب لهم النجاح هذه المرة: لا تيأسوا، فالحياة لا تختصرها نتيجة، ولا تتلخص في شهادة، بل هي طريق طويل مليء بالمنعطفات والفرص التي تحتاج إلى إصرار وعينٍ تبصر أبعد من اللحظة. ليست العلامة مقياسًا لقدرتك على النجاح، بل شغفك، واستعدادك للتعلّم، وقدرتك على النهوض بعد كل تعثر. اليوم، ونحن نعيش في قلب عصر تتسارع فيه التحولات التقنية، ويصعد الذكاء الاصطناعي ليعيد تشكيل ملامح الاقتصاد والتعليم والعمل، يقف الأردن أمام لحظة فارقة. لم تعد المعضلة في عدد الخريجين أو في ازدحام التخصصات، بل في الفجوة العميقة بين ما يُدرّس في القاعات، وما يتطلبه سوق العمل المتغير من مهارات واقعية، وكفاءات رقمية، وقدرات إنسانية لا تُدرّس في الكتب. نحن في زمن لم يعد السؤال فيه: "ماذا درست؟"، بل: "ما الذي تستطيع أن تقدمه؟ وما الذي تستطيع أن تتعلّمه؟"

ولجيل التوجيهي اليوم، أنتم لستم مجرد طلاب عبروا مرحلة، أنتم طليعة المستقبل، وبناة الغد، ومن يملكون الفرصة لصياغة واقع جديد لوطن يستحق الأفضل.في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية، ويغدو الذكاء الاصطناعي لاعبًا مركزيًا في معادلة الإنتاج والمعرفة، يجد الأردن نفسه أمام مفترق طرق حاسم في سوق العمل. لم تعد التحديات محصورة في وفرة خريجي التخصصات المشبعة، بل في فجوة تتسع يومًا بعد يوم بين ما يتلقاه الطالب في مقاعد التعليم، وما يتطلبه الواقع المتغير من مهارات ومعارف وقدرات متجددة.
الوظائف النمطية التي كانت يومًا عماد الاقتصاد التقليدي تتآكل بفعل الأتمتة. المحاسبة التي طالما استندت إلى الجهد البشري أصبحت اليوم محاطة ببرمجيات ذكية تنفذ العمليات بأدق مما يفعل الإنسان، ومراكز خدمة العملاء لم تعد تحتاج إلى موظفين طوال الوقت، إذ تسلّلت إليها روبوتات المحادثة التي لا تكلّ ولا تملّ. حتى في المجال الطبي، باتت تقنيات تحليل الصور الشعاعية تتفوق على التشخيص البشري، والأعمال الإدارية الروتينية تُنفذ ببرمجيات تتعلم وتتطور دون الحاجة إلى تدخل مباشر. هذا الانكماش في الوظائف التقليدية لا يعني الانغلاق، بل هو دعوة لإعادة اكتشاف الذات، والانفتاح على وظائف جديدة تولد من رحم التقنية وتستجيب لتغيرات العالم.
فالمستقبل لا ينتظر، وهو لا يصنع نفسه، بل ينتظر من يملك الجرأة لقراءته بوعي واستباقه ببصيرة. تظهر اليوم مهن لم تكن موجودة بالأمس: أطباء يشرفون على خوارزميات التشخيص، ومحللون طبيون يتوقعون الأمراض قبل ظهورها، ومهندسون يبنون المنازل باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد، ومحامون متخصصون في قضايا الذكاء الاصطناعي والجرائم الرقمية، ومصممون يبتكرون بيئات افتراضية علاجية وسياحية وتعليمية، ومنسقون يديرون أنظمة طاقة ذكية تربط بين الطاقة المتجددة والتحكم الذكي. هذه الوظائف وغيرها تفرض واقعًا جديدًا، لا يكتفي بالمعرفة النظرية، بل يقتضي فهمًا عميقًا للتكنولوجيا، وجرأة على التعلم المستمر، وقدرة على التكيّف مع عالم لا يكفّ عن التغيير.

ولأن الجامعة ليست مجرد مكان لمنح الشهادات، بل فضاء يُعدّ الإنسان للمستقبل، فإن تحديث البرامج الأكاديمية في الأردن لم يعد ترفًا، بل ضرورة وجودية. نحتاج إلى تخصصات هجينة تعكس تقاطع العلم والتكنولوجيا والإنسان: مثل الطب الذكي الذي يجمع بين الرعاية الصحية وتحليل البيانات، والهندسة المدنية الرقمية التي تستخدم الطباعة الثلاثية الأبعاد، والقانون السيبراني الذي يواكب تطور الجرائم الرقمية، وإدارة الأنظمة الذاتية التي تشمل الروبوتات والطائرات بدون طيار، والزراعة الذكية التي تعتمد على إنترنت الأشياء لتعزيز الأمن الغذائي.

وإذا ما نظرنا إلى توقعات المنتديات الدولية مثل المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن خارطة مهارات عام 2030 تكشف بوضوح أن العالم يتجه نحو مزيج دقيق من المهارات التقنية والإنسانية. الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، تحليل البيانات، شبكات الحاسوب، كلها باتت ضرورات لا خيارات. ولكن بالمقابل، لن تُستبدل القيم الإنسانية، فالتفكير التحليلي، الإبداع، القدرة على التكيف، الفضول، مهارات القيادة، الذكاء العاطفي، الحس البيئي، وفهم تجربة المستخدم، جميعها ستبقى حجر الزاوية في بناء الإنسان المتوازن في عصر الآلة. وتشير التقارير إلى أن نحو أربعين في المئة من العاملين سيحتاجون إلى إعادة تأهيل مهني، فيما سيخضع قرابة الستين في المئة إلى برامج تدريبية لإعادة اكتساب المهارات.

من هنا، لا يمكن أن نعوّل على الشهادات الجامعية وحدها، بل على نظام تدريبي مرن ومُحدّث باستمرار. نحتاج إلى شباب يمتلكون أدوات العصر: البرمجة، تحليل البيانات، التصميم، والتفكير الحاسوبي. ونحتاج إلى شراكات حقيقية بين الجامعات والقطاع الخاص، تفتح المجال لتدريب عملي تطبيقي، يؤهل الخريجين للانخراط الفوري في سوق العمل. كما أن تدريب العاملين في القطاعات التقليدية وتحويلهم إلى كوادر قادرة على التكيف مع التقنية هو استثمار في الاستقرار المجتمعي والاقتصادي.

كل هذا يستدعي رؤية وطنية واضحة المعالم، تضع التعليم في قلب السياسات الاقتصادية، وتعيد هندسة مناهجه وبرامجه بما ينسجم مع متطلبات الغد. فالأردن، بما يمتلكه من طاقات شابة، وعقول لامعة، وبنية تحتية قابلة للتطوير، قادر على أن يتحول إلى بيئة حاضنة للابتكار والاقتصاد الرقمي، إذا ما توافرت الإرادة وتبلورت الرؤية، وانطلقت المبادرات بشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. إن غرس ثقافة التعلم المستمر، وتقدير المهارات العملية، وتحرير التعليم من قوالبه الجامدة، هي مفاتيح الأردن للعبور الآمن نحو 2030.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :