رثاءُ صديقِ العمرِ محمدِ خير قديسات
د. محمد حيدر محيلان
12-08-2026 08:14 PM
في مشهدِ الفقدِ الذي يثقلُ القلبَ ويُرهقُ الروح، أقفُ مودِّعًا صديقي ورفيقَ عمري في جامعة اليرموك والحياة، محمدَ خير قديسات ، ابا عبد القادر ، ذاك الذي جمعَتْنا به أيامُ الشبابِ وذكرياتُ العلمِ التي لا تمحوها السنون. أرثيه اليوم لا كصديقٍ فحسب، بل كأخٍ ونسيبٍ وخالٍ لأبنائي، كان حضورُه دفئًا في المجالس، وسندًا في الشدائد، وبهجةً لا تغيب عن تفاصيل الحياة. رحل محمدُ خيرٍ جسدًا، وبقي أثرُه حيًّا في القلب والدعاء والذاكرة، نسألُ الله أن يتغمّده برحمته، وأن يجمعنا به في دارٍ لا فراقَ فيها ولا ألم.
َا خَيْرُ، كَيْفَ تَرَكْتَنِيً؟
أَسْبَلْتَ، بَعْدَ تَجَلُّدٍ وَتَفَانٍ
فَوْقَ العُيُونِ سَتَائِرَ الأَجْفَانِ
وَأَلَنْتَ، مِنْ بَعْدِ الثَّبَاتِ، عَرِيكَتَكَ
لِقَضَاءِ رَبِّكَ بَعْدَ طُولِ رِهَانِ
وَفَتَحْتَ لِلْقَدَرِ الجَمِيلِ جَوَانِحًا
وَأَنَخْتَ رَحْلَكَ فِي حِمَى الرَّحْمَنِ
كَمْ قَدْ عَصَيْتَ كَرِيهَةً جَثَمَتْ عَلَى
صَدْرِ الحَيَاةِ، بِقَسْوَةٍ وَطِعَانِ
وَكَبَحْتَ خَيْلَ اللَّيْلِ وَهْيَ غَوَاشِمٌ،
وَلَجَمْتَ فُوهَ السُّوءِ بِالإِحْسَانِ
مَا لِي أَرَاكَ مُكَفَّنًا وَمُصَفَّدًا
مُسْتَسْلِمًا، وَالْوَجْهُ أَصْفَرُ ذَاوٍ
يَا خَيْرُ، كَيْفَ تَرَكْتَنِي مُتَوَحِّدًا،
فِي جَمْرِ بُعْدِكَ أَحْتَسِي أَحْزَانِي
وَالعَهْدُ أَنْ نَمْضِي مَعًا بِرَوِيَّةٍ؛
مَاذَا دَهَاكَ؟ رَحَلْتَ دُونَ تَوَانٍ
يَا خَيْرُ، كَيْفَ تَرَكْتَنِي وَأَنَا صَدِيقُ
العُمْرِ وَالأَيَّامِ وَالحَدَثَانِ؟
يَا خَيْرُ، كَمْ كُنَّا مَعًا، وَطَرِيقُنَا
بِالعُمْرِ خُضْنَاهُ بِكُلِّ أَمَانِ
يَا خَيْرُ، هَلْ تَذْكُرُ جَمِيلَ زَمَانِنَا
بَيْنَ الدُّرُوبِ وَرَوْعَةَ الرَّيْعَانِ؟
وَأَنَا وَأَنْتَ نَدُورُ فِي لَهْوٍ مَعًا،
وَتَزِينُ أَنْتَ مَجَالِسَ الأَقْرَانِ
يَا خَيْرُ، كَمْ عُدْنَا مِنَ اليَرْمُوكِ، قَدْ
جَمَعَتْ هَوَانَا لَمَّةُ الدُّكَّانِ
مَا كُنَّا نَعْرِفُ لِلْهُمُومِ مَسَالِكًا،
فَالأُنْسُ يَحْرُسُنَا مِنَ الأَحْزَانِ
هَذَا صَدِيقُكَ نَايِفٌ يَبْكِيكَ، قَدْ
أَضْنَاهُ وَقْعُ مَرَارَةِ الفُقْدَانِ
سَأَظَلُّ أَطْرُقُ بَابَ قَبْرِكَ آمِلًا،
وَأَعُودُ مُنْكَسِرًا مَعَ الحِرْمَانِ
وَأَرَاكَ فِي نَوْمِي جَمِيلًا بَاسِمًا،
فَإِذَا الْتَفَتُّ بَكَيْتُ نِصْفِيَ الثَّانِيَ
مَا زَالَ صَوْتُكَ فِي المَسَامِعِ دَافِئًا،
يَسْرِي فَيُوقِظُ لَوْعَةَ الوَجْدَانِ
وَخُطَاكَ فِي دَرْبِ اللِّقَاءِ كَأَنَّهَا
نَقْشٌ تَأَبَّدَ فِي صَمِيمِ كَيَانِي
أَبْكِيكَ، لَا دَمْعِي يُطِيعُ تَجَلُّدِي،
كَلَّا، وَلَا صَبْرِي امْتَطَى أَحْزَانِي
مَنْ لِي إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَسَاكِنِي؟
مَنْ لِي إِذَا نَطَقَ الجَوَى بِلِسَانِي؟
مَنْ لِي إِذَا عُدْتُ لِوَحْدِي سَاكِنًا،
وَالحُزْنُ يَسْكُنُ مُهْجَتِي وَمَكَانِي؟
كَمْ كُنْتَ تَحْمِلُ عَنْ فُؤَادِي وِزْرَهُ،
وَتَرُدُّ عَنْ رُوحِي يَدَ الأَشْجَانِ
يَا خَيْرُ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي سَابِقُكَ
وَتَشُدُّ فَوْقِيَ أَبْيَضَ الأَكْفَانِ
يَا خَيْرُ، كُنْتُ أَقُولُ: سَوْفَ تُرِيحُنِي
فِي جَوْفِ قَبْرِي، وَأَنْتَ مَنْ يَنْعَانِي
وَاليَوْمَ أَحْمِلُ وَحْدِيَ الذِّكْرَى، وَقَدْ
ثَقُلَتْ عَلَى قَلْبِي، شَجَتْ وِجْدَانِي
لَوْ كَانَ يُفْدَى الرَّاحِلُونَ بِمُهْجَةٍ،
لَبَذَلْتُ دُونَكَ مُهْجَتِي وَزَمَانِي
لَكِنَّهُ حُكْمُ الإِلَهِ، وَإِنَّنِي
أَرْضَى، وَتَفْضَحُ لَوْعَتِي أَشْجَانِي
نَمْ يَا صَدِيقَ الرُّوحِ نَوْمًا هَادِئًا،
فَلَعَلَّ يَجْمَعُنَا رِضَا الرَّحْمَنِ
سَأَظَلُّ أُهْدِيكَ الدُّعَاءَ، وَإِنَّمَا
ذِكْرُ الصَّدِيقِ أَمَانَةُ الخِلَّانِ
وَأَظَلُّ أَبْكِي كُلَّمَا حَنَّ الفُؤَادُ،
وَنَظَرْتُ فِي صُوَرِي وَفِي دِيوَانِي
أَخُوكَ الَّذِي يَفْتَقِدُكَ