الأردن وطنٌ يحمي حدوده ولا يغلق قلبه
السفير ماهر لوكاشه
13-08-2026 03:58 PM
في اللحظات التي تضيق فيها خرائط الخيارات، لا تكون الدولة الحكيمة هي التي ترفع صوتها أكثر، بل التي تعرف كيف تجعل هدوئها موقفًا، وصبرها قوة، وحدودها السياسية أوضح من أن تُختبر. والأردن، بحكم موقعه وتاريخه وتجربته، ليس دولة عابرة في معادلات المشرق، ولا ساحة فارغة يمكن أن تُلقى عليها أثقال الأزمات ثم يُطلب منها أن تتصرف كأن شيئًا لم يحدث. إنه بلد يعرف معنى الجغرافيا حين تتحول إلى امتحان، ويدرك أن الاستقرار ليس ابتعادًا عن القضايا الكبرى، بل مسؤولية يومية في حماية الإنسان، وصون الدولة، ومنع الفوضى من أن تتخذ لنفسها اسمًا جديدًا.
لقد ظل الأردن، عبر عقود طويلة، يؤدي دورًا يتجاوز حجمه الديموغرافي والاقتصادي، لا طلبًا لنفوذ زائد، ولا رغبة في احتكار موقع لا ينازعه فيه أحد، بل لأن موقعه وضعه في قلب أكثر ملفات المنطقة حساسية: القدس، والضفة، واللاجئون، والحدود، والمياه، وممرات الأمن، وذاكرة شعبين متداخلين لا يجوز أن تتحول صلاتهما العميقة إلى ذريعة لتصفية قضية أو إعادة تعريف وطن. ومن هنا فإن أي محاولة لدفع الفلسطينيين خارج أرضهم، بصورة صريحة أو عبر سياسة تستنزف شروط الحياة حتى يغدو الرحيل أقرب إلى الإكراه منه إلى الاختيار، لا تمثل أزمة إنسانية فحسب؛ بل إنها مساس بجوهر الاستقرار الإقليمي، وبقاعدة بسيطة يفترض ألا تحتاج إلى كثير من الشرح: الخرائط لا تُعدّل بالقوة، والسكان ليسوا أرقامًا قابلة للنقل، والمآسي لا تصبح حلولًا لمجرد أن تُحاط بلغة ناعمة أو تُقدّم في علب المساعدات.
وليس خافيًا على أحد أن بعض العقول التي تنظر إلى المنطقة بعين الحساب البارد قد تتوهم أن الأردن يستطيع أن يكون مساحة امتصاص دائمة للنتائج، أو أن صمته يمكن أن يُشترى بوعود اقتصادية مؤقتة، أو أن حاجته إلى الدعم ستدفعه إلى قبول ما لا ينسجم مع أمنه الوطني وكرامته السياسية. غير أن من يعرف الأردن يعرف، في المقابل، أن هذا البلد لا يقيس مصالحه بعائد اللحظة وحده، ولا يساوم على ثوابته تحت ضغط الحاجة، ولا يخلط بين الانفتاح على العالم وبين التخلي عن حقه في تعريف أمنه وحدوده ومستقبله. فالمساعدات، مهما بلغت، لا تمنح أحدًا حق إعادة رسم هوية الدولة المضيفة، والاتفاقات، مهما كانت ضرورتها، لا تبرر تحويل بلد إلى مستودع لأزمة صنعها آخرون، والعلاقات، مهما اتسعت، لا تعني أن أبواب القرار الوطني قد تُترك مشرعة لكل من يريد أن يمرر عبرها مشروعًا لا يجرؤ على إعلانه صراحة.
إن الأردن لا يطلب امتيازًا حين يرفض التهجير، بل يطالب باحترام قاعدة دولية يفترض أن تكون محل إجماع: لا اقتلاع للإنسان من أرضه بالقوة، ولا اعتراف بنتيجة تُفرض تحت النار، ولا تحميل للدول المجاورة ثمن سياسات لم تشارك في صنعها. ولعل أكثر ما يميز الموقف الأردني أنه لا ينطلق من انفعال عابر، بل من قراءة عميقة لطبيعة الخطر. فالتهجير الذي يبدأ بحركة بشرية قد ينتهي بإعادة تركيب الإقليم، والفراغ الذي يُفتح باسم الترتيبات المؤقتة قد يتحول إلى نظام دائم، والقيادة التي تُستقدم من خارج سياقها الشعبي قد تنتج إدارة بلا شرعية، والحدود التي تُدفع إلى استقبال الأمر الواقع قد تصبح، مع مرور الوقت، مطالبة بحمايته.
لهذا لا يحتاج الأردن إلى خصومة مجانية مع أحد، ولا إلى تسمية الأشياء بأسمائها في كل مرة. فبعض الرسائل تكون أبلغ حين تُقال عبر المبادئ لا عبر الأشخاص، وعبر النتائج لا عبر الاتهامات. يكفي أن يعلن، بهدوء لا لبس فيه، أن أمنه ليس مادة للمساومة، وأن استقرار الإقليم لا يُبنى على اقتلاع شعب، وأن أي ترتيب يتجاوز أصحاب القضية لن يملك عمرًا طويلًا، وأن الطريق إلى السلام لا يمر من بوابة الإنكار ولا من هندسة السكان، بل من الاعتراف بالحقوق والوقائع والكرامة الإنسانية. وفي السياسة، قد يكون التلميح أحيانًا أشد وضوحًا من التصريح؛ إذ يكفي أن تُرسم حدود الموقف حتى يفهم القريب والبعيد أين ينتهي الحوار وأين يبدأ المساس بالثوابت.
كما أن على المجتمع الدولي أن يدرك أن دعم الأردن ليس منّة، بل استثمار في استقرار منطقة تقف على حافة احتمالات لا يجوز الاستهانة بها. فالدولة التي تتحمل أعباء اللجوء، وتحرس حدودًا شديدة الحساسية، وتحافظ على قنوات الاتصال حين تنقطع القنوات الأخرى، وتمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، لا ينبغي أن تُترك وحدها أمام فاتورة أزمة تتسع كل يوم. المطلوب ليس بيانات تضامن تُحفظ في الأرشيف، بل ضمانات سياسية واقتصادية واضحة، وتمويل جاهز للاستجابة الطارئة، وآلية دولية للرصد، وموقف لا يعترف بأي تغيير سكاني يُفرض بالقوة، حتى لا تصبح المساعدات جسرًا إلى تثبيت الواقع بدل أن تكون وسيلة لعبوره.
والأردن، في هذا كله، لا يقف ضد حماية المدنيين، ولا يساوي بين الواجب الإنساني والحسابات السياسية الضيقة. لكنه يرفض أن تتحول حماية الإنسان إلى غطاء لاقتلاعه، أو أن يصبح الاستقبال المؤقت طريقًا إلى توطين دائم، أو أن تُستخدم الحاجة الإنسانية لإسقاط حق العودة. إن الدولة التي تفتح أبواب العون في ساعة الخطر لا تتخلى بذلك عن سيادتها، والدولة التي تحمي حدودها لا تفقد بذلك إنسانيتها. الفارق أن المساعدة يجب أن تكون مؤقتة ومنظمة وشفافة، وأن تظل العودة هدفها السياسي والقانوني، لا أن تتحول إلى محطة صامتة في مشروع أكبر من قدرة الناس على مقاومته.
وإذا كان لبعض العواصم أن تملك أدوات الضغط، فإن على الأردن أن يملك وضوح الموقف وحسن إدارة الأوراق؛ و أن يحافظ على علاقاته دون أن يسمح لها بأن تتحول إلى قيود، وأن يستخدم موقعه لا ليكون تابعًا للتوازنات، بل ليكون شريكًا في صياغتها، وأن يفتح الأبواب للحوار دون أن يفتح الطريق أمام مشاريع تمس كيانه. فالقوة الأردنية الحقيقية لا تكمن في امتلاك فائض الخيارات، بل في القدرة على تحويل محدودية الموارد إلى دقة في الحساب، وتحويل الحاجة إلى شبكة شراكات، وتحويل الهدوء إلى رسالة يفهمها الجميع: الأردن يريد السلام، لكنه لا يقبل سلامًا يقوم على إلغاء الآخرين؛ ويريد التعاون، لكنه لا يقبل تعاونًا يطلب منه أن يدفع ثمنًا من أرضه أو أمنه أو هويته؛ ويحترم المجتمع الدولي، لكنه ينتظر منه أن يحترم القواعد التي يطالب بها الدول الأضعف.
ومن الحكمة أن تُدار المرحلة المقبلة بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة. فالأردن بحاجة إلى شبكة أمان سياسية واقتصادية وإنسانية تسبقه إلى الأزمة، لا إلى وعود تصل بعد أن تصبح الأزمة أمرًا واقعًا. وبحاجة إلى حوار صريح مع الحلفاء، لا يكتفي بتبادل المجاملات، بل يحدد بوضوح ما الذي لا يستطيع قبوله، وما الذي يحتاجه كي يظل قادرًا على أداء دوره. كما أن المنطقة لا تحتاج إلى ترتيبات تُدار خلف الأبواب المغلقة بقدر حاجتها إلى قواعد معلنة، ومرجعيات شرعية، وضمانات تحمي أصحاب الأرض من أن يتحولوا إلى موضوع للمساومات بين الآخرين.
وفي نهاية المطاف، قد تتبدل الحكومات، وتتغير لغة المشاريع، وتتعدد أسماء الترتيبات، غير أن الحقائق العميقة تبقى عصية على التجميل: لا استقرار مع اقتلاع، ولا أمن مع إكراه، ولا مستقبل لمن يظن أن الجغرافيا يمكن أن تُخدع إلى الأبد. وسيبقى الأردن، بما له من تاريخ ومسؤولية، مطالبًا بأن يحمي حدوده دون أن يغلق قلبه، وأن يحمي قلبه دون أن يفرط بحدوده، وأن يقول بعبارة هادئة إن من أراد استقرار المنطقة فعليه أن يبدأ من احترام أهلها، ومن أراد للأردن أن يبقى ركيزة للاستقرار فعليه أولًا أن يحترم حقه في أن يظل وطنًا لا ممرًا، ودولة لا وظيفة، وشريكًا لا أداة. ذلك هو المعنى الأعمق للواقعية السياسية: أن تعرف الدولة حجم ما تستطيع، وأن تدرك في الوقت نفسه ما لا يجوز لأحد أن يطلب منها التخلي عنه.