الجنون السياسي… والشعوب تدفع الثمن
م. وائل سامي السماعين
13-08-2026 07:25 PM
هناك أشكال كثيرة من الجنون، لكن أخطرها على الشعوب ما يمكن أن أسميه الجنون السياسي، وهو أن تصر قيادة أو حركة أو نظام سياسي على النهج نفسه رغم أن التجربة والنتائج أثبتتا فشله، ثم تنتظر في كل مرة نتيجة مختلفة. فالسياسي يتخذ القرار، لكن الشعوب هي التي تدفع الثمن من دمائها وأمنها واقتصادها ومستقبل أبنائها.
والتاريخ مليء بالأمثلة. ففي الحرب العالمية الأولى استمرت حرب الخنادق والاستنزاف سنوات وحصدت أرواح الملايين. وفي الحرب العالمية الثانية أصر هتلر على مواصلة الحرب حتى بعدما انقلبت موازين القوى، فكانت النتيجة دمار ألمانيا وسقوط الملايين. كما استمرت حرب فيتنام سنوات طويلة، وخلّفت ثمناً بشرياً وسياسياً هائلاً قبل أن تنتهي دون تحقيق الولايات المتحدة أهدافها الأساسية.
وفي منطقتنا، استمرت الحرب العراقية الإيرانية ثماني سنوات، استنزفت البلدين بشرياً واقتصادياً، وانتهت دون انتصار حاسم يوازي حجم التضحيات التي تحملها الشعبان.
واليوم تطرح الحرب الروسية الأوكرانية السؤال نفسه من زاوية أخرى. فبعد سنوات من الحرب، ومئات الآلاف من القتلى والجرحى وخسائر اقتصادية هائلة، يستمر الصراع الذي بدأ بالغزو الروسي لأوكرانيا، بينما يواصل الغرب، وفي مقدمته الدول الأوروبية، تقديم الدعم العسكري والمالي لكييف. وبغض النظر عن مسؤولية كل طرف ومبرراته، فإن استمرار الحرب دون أفق واضح لتسوية سياسية يطرح سؤالاً مشروعاً: إلى متى تستمر الشعوب في دفع ثمن صراع لا تبدو له نهاية قريبة وبسبب الجنون السياسي؟
ولا يقتصر الجنون السياسي على الحروب. فقد يكون أكثر خطورة عندما تتمسك الأنظمة القمعية بالسلطة، وتواجه كل أزمة بمزيد من القمع والسجون وإسكات المعارضة، معتقدة أن القوة تستطيع معالجة مشكلات سببها في الأصل غياب الإصلاح والعدالة والمشاركة السياسية. وقد شهدنا نتائج ذلك في العراق وليبيا وسوريا واليمن وغيرها، حيث تركت الصراعات والاستبداد وراءها دولاً منهكة ومجتمعات منقسمة واقتصادات مدمرة.
والنظام الإيراني، في تقديري، نموذج واضح للجنون السياسي؛ فقد أنفق موارد هائلة على الحرس الثوري وأذرعه الإقليمية تحت مسمى محور المقاومة التي وانخرط في صراعات امتدت إلى دول عدة،، بينما دفعت شعوب المنطقة، ومعها الشعب الإيراني، أثماناً باهظة. والسؤال ببساطة: ماذا حقق هذا المحور لشعوبه مقابل ما دفعته من دم ومال ومستقبل؟
وقد عشت شخصياً تجربة رسخت لدي أهمية امتلاك الشجاعة السياسية لوقف دائرة العنف. ففي مقال نشرته في صحيفة «الرأي» الأردنية عام 2016 بعنوان «خذوا مبادرة عباس مدني نموذجاً لوقف العنف»، تحدثت عن لقاءاتي مع عباس مدني، أحد مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، عندما كان مقيماً في الدوحة. وخلال أحد لقاءاتنا رجوته أن يدعو إلى وقف العنف وحقن الدماء، وبعد أيام شاهدته يعلن مبادرته لإنهاء الأزمة. ولا أعرف إن كان لحديثنا تأثير في قراره ولا أدعي ذلك، لكن ما بقي في ذاكرتي أن وقف الدم يحتاج أحياناً إلى شجاعة أكبر من شجاعة الاستمرار في المواجهة.
والصراع الفلسطيني الإسرائيلي مثال آخر على المأزق نفسه. فبعد عقود من المواجهة، لم تستطع القوة العسكرية الإسرائيلية إنهاء القضية الفلسطينية، كما لم تستطع المواجهة المسلحة الفلسطينية إنهاء إسرائيل أو تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية. بل إن تطرف كل جانب أصبح يغذي تطرف الجانب الآخر؛ فاليمين الإسرائيلي يستخدم العنف الفلسطيني لتبرير المزيد من القوة، والمتشدد الفلسطيني يستخدم الاحتلال والاستيطان والتشدد الإسرائيلي لتبرير استمرار المواجهة. وهكذا قد يحتاج المتشددون إلى بعضهم سياسياً، بينما يدفع الشعبان الثمن.
وهنا تكمن خطورة الجنون السياسي: أن يصبح الاعتراف بالخطأ أصعب من تحمل المزيد من الخسائر، وأن يصبح بقاء النظام أو الحزب أو الزعيم أهم من مصلحة الدولة والشعب.
فالسياسة الرشيدة ليست في الإصرار على القرار مهما كانت نتائجه، بل في امتلاك القدرة والشجاعة على مراجعته عندما يثبت فشله. التراجع عن الخطأ ليس ضعفاً، ووقف الحرب ليس دائماً هزيمة، والإصلاح ليس تهديداً للدولة.
الجنون السياسي يبدأ عندما يرفض السياسي تغيير الطريق رغم أن النتائج أمامه تقول إلى أين يقود، أما الفاتورة فغالباً ما تدفعها الشعوب من دمائها ومستقبل أبنائها.