ماذا تعرف عن أردن الأندلس؟
عماد عواودة
14-08-2026 12:35 AM
ليست الجغرافيا دائماً مجرد حدودٍ على الخريطة ، فقد تحمل معها ذاكرة الإنسان ، وملامح المكان الذي جاء منه ، وحتى شيئاً من الحنين الذي لا يراه المؤرخون في الخرائط ؛ ولعل من القصص التي تستحق أن نتوقف عندها ، تلك التي تربط بين جند الأردن في بلاد الشام ، وكورة ريّة في الأندلس ، حتى عُرفت مالقة في بعض المصادر باسم « أردن الأندلس » .
الحكاية تبدأ من بلاد الشام ، حيث كان جند الأردن واحداً من أجناد الشام في العصر الأموي ، وكانت طبريا عاصمته ؛ ولم يكن المقصود بجند الأردن ما نعرفه اليوم باسم المملكة الأردنية الهاشمية ؛ فالمصطلح كان يدل على إقليم إداري أوسع ، امتد في مناطق من شمال فلسطين وشرقها ، وشمل طبريا وبيسان وجرش وعجلون وطبقة فحل ، وامتد غرباً نحو عكا وأجزاء من الساحل ، وفق اختلاف المصادر في تحديد حدوده .
ثم انتقلت الحكاية إلى الأندلس .
ففي سنة 125هـ ، وفي سياق سعيه إلى معالجة النزاعات القبلية بين العرب القيسية واليمنية ، قام والي الأندلس « أبو الخطار الكلبي » بإعادة توزيع الأجناد الشامية على عدد من كور ( أقاليم ) الأندلس ؛ ولم يكن التوزيع اعتباطياً أو عشوائياً ؛ إذ رُوعي ، بحسب ما تذكره المصادر ، أن يُسكن كل جند في منطقة يجد فيها شيئاً من طبيعة موطنه الشامي .
وهنا جاء نصيب جند الأردن من كورة « ريّة » في جنوب الأندلس ، وهي الكورة التي كانت « مالقة » حاضرتها وأبرز مدنها ؛ ومن هنا ينبغي أن نفرق بين الاسمين : « ريّة » اسم الإقليم أو الكورة، أما « مالقة » فهي حاضرتها التي ارتبط بها اسم « أردن الأندلس » في بعض المصادر والدراسات .
لم يكن التشابه بين الموطنين مجرد مصادفة جغرافية ؛ فطبيعة « ريّة » ، بما فيها من جبال وأودية وسهول وبساتين ، واتصالها بالبحر المتوسط ، كانت تمنح القادم من جند الأردن شيئاً من الألفة التي تركها خلفه في بلاد الشام ؛ في طبريا وبيسان وعجلون وجرش ، وعلى امتداد الأغوار وشمال فلسطين وصولاً إلى عكا والساحل .
من هنا يمكن فهم العلاقة بين السببين : استقرار جند الأردن في « ريّة » ، والتشابه الجغرافي بين « ريّة »️وموطنهم الأول ؛ فالجغرافيا ربما كانت جزءاً من منطق الاختيار نفسه ؛ إذ إن نقل الجند إلى أرض تشبه أرضهم كان يخفف شيئاً من وطأة الاغتراب ، ويجعل المكان الجديد أقل غرابة في أعين القادمين إليه .
وقد ترك هذا الاستقرار أثراً تجاوز المكان ؛ فقد اندمج أبناء جند الأردن في المجتمع الأندلسي ، وحافظت بعض الأسر على صلاتها وأنسابها وذاكرتها المشرقية ، وبرز من تلك البيئة علماء وفقهاء وشخصيات كان لها حضور في الحياة العلمية والاجتماعية والسياسية في جنوب الأندلس .
ولعل الصديق معالي الأستاذ الدكتور صلاح جرار كان من أبرز من لفتوا الانتباه إلى هذه الصفحة المنسية ، وخصص لـ « مالقة » كتاباً بعنوان « مدينة مالقة : أردن الأندلس » ، بما يفتح الباب أمام إعادة قراءة هذه الصلة بين المشرق والأندلس بعيداً عن النظرة التقليدية إلى الأندلس بوصفها مكاناً منفصلاً عن الذاكرة الشامية .
إن قصة « أردن الأندلس » لا تبدو ، في نهايتها ، قصة جندٍ انتقلوا من مكان إلى مكان فحسب ؛ إنها قصة إنسان حمل معه جغرافيته الأولى ، فوجد في أرض بعيدة شيئاً يشبهها ، ثم ترك فيها شيئاً منه ومن ثقافته .
فهل كانت « أردن الأندلس » مجرد تسمية تاريخية لمرحلة من مراحل استقرار جند الأردن ، أم أنها تكشف لنا عن ما هو أعمق من ذلك : عن قدرة الإنسان على أن يحمل وطنه في ذاكرته ، وأن يعيد بناء بعض ملامحه حيثما حل؟ ..
لربما تكون هذه المعلومة بداية لا نهاية ؛ وما نحتاجه اليوم ليس أن نكتفي بروايتها ، بقدر ما أن نبحث في مصادرها ، ونقارن الروايات حولها ، ونستعيد ما يمكن استعادته من أسماء الرجال والأسر والعلماء الذين حملوا اسم الأردن إلى الأندلس ؛ فماذا تعرفون أنتم عن « أردن الأندلس »؟ ، وما الذي يمكن أن نضيفه معاً إلى هذه الحكاية؟ ..