facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الملك عبدالله الثاني عبر شينخوا .. هندسة الشراكات الأردنية في نظام دولي يعاد تشكيله


بهاء الشنتير
17-08-2026 10:55 PM

أجرى جلالة الملك عبدالله الثاني مقابلة صحفية مع وكالة الأنباء الرسمية لجمهورية الصين الشعبية "شينخوا"، تناولت مسار العلاقات الأردنية–الصينية وآفاقها، في وقت يستعد فيه البلدان للاحتفال العام المقبل بالذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما.

وتكتسب المقابلة أهمية تتجاوز بعدها الثنائي، إذ جاءت بالتزامن مع الزيارة الملكية المرتقبة إلى الصين، وطرحت رؤية أردنية متكاملة لشراكة تتجه من التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتنمية والسياحة والثقافة، وتمتد في الوقت ذاته إلى ملفات السلام والأمن الإقليمي والدولي.

واللافت في المقابلة أن جلالة الملك لم يتحدث عن الصين باعتبارها شريكًا اقتصاديًا فحسب، بل وضع العلاقة معها ضمن سياق التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي. ومن هنا، يمكن قراءة الحديث الملكي باعتباره رسالة استراتيجية متكاملة حول كيفية إدارة الأردن لعلاقاته الدولية في مرحلة تتعدد فيها مراكز القوة والنفوذ، وتتعاظم فيها أهمية تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركة السياسية والاقتصادية للدول.

فعلى المستوى الجيوسياسي، لا تبدو الشراكة الأردنية–الصينية انتقالًا من محور إلى آخر، بقدر ما تمثل توسيعًا لدائرة الخيارات الاستراتيجية الأردنية. فالصين باتت قوة دولية مؤثرة اقتصاديًا وسياسيًا وتكنولوجيًا، والأردن، بحكم موقعه الجغرافي وحضوره الدبلوماسي واستقراره السياسي وعلاقاته المتوازنة، يمتلك مقومات تؤهله لبناء شراكة ذات قيمة متبادلة. وهذه المعادلة تمنح عمان مساحة أوسع للمناورة، وتعزز ما يمكن وصفه بـ الاستقلالية الاستراتيجية؛ أي امتلاك خيارات وشراكات متعددة دون الارتهان لمحور واحد أو الدخول في استقطابات دولية حادة.

وهنا تبرز أهمية الموقع الأردني ليس باعتباره مجرد حقيقة جغرافية، بل باعتباره أصلًا استراتيجيًا قابلًا للتوظيف. فالموقع الذي يمنح الأردن وزنًا جيوسياسيًا في الإقليم يمكن تحويله كذلك إلى ميزة جيو-اقتصادية من خلال الاستثمار والتصنيع والتجارة والطاقة واللوجستيات والربط بالأسواق الإقليمية. وبذلك تصبح الجغرافيا الأردنية جزءًا من معادلة اقتصادية أوسع، وتتحول الشراكة مع الصين من علاقة استثمارية محدودة إلى فرصة لبناء قيمة مضافة داخل الاقتصاد الأردني وربطه بسلاسل الإنتاج والأسواق العالمية.

أما على المستوى الدبلوماسي، فإن إجراء الحوار عبر وكالة أنباء شينخوا الرسمية يحمل دلالة تتجاوز الجانب الإعلامي. فقد اختار الأردن من خلال هذه المنصة مخاطبة الصين، وفي الوقت نفسه مخاطبة المجتمع الدولي، برسائل متوازنة تجمع بين تعميق الشراكة الثنائية والتأكيد على المبادئ الأردنية في القضايا الإقليمية والدولية. وهذه إحدى سمات الدبلوماسية الأردنية التي تقوم على الحوار والانفتاح وبناء الجسور بدل سياسة الاصطفاف أو المواجهة.

وفي البعد السياسي، احتلت القضية الفلسطينية موقعًا مركزيًا في الرؤية الملكية، ليس فقط باعتبارها قضية عربية وإسلامية، وإنما باعتبارها مفتاحًا رئيسيًا للأمن والاستقرار في المنطقة. فالرسالة الأردنية واضحة: لا يمكن بناء استقرار إقليمي مستدام مع استمرار الصراع، ولا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية من خلال إدارة الأزمة بدل حلها. ومن هنا جاء التأكيد على حل الدولتين، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة على خطوط عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

وهنا تتقاطع الرؤية الأردنية مع أهمية الدور الصيني المتنامي. فبكين، بما تمتلكه من ثقل دولي وعضوية دائمة في مجلس الأمن وعلاقات واسعة مع مختلف الأطراف، يمكن أن تكون طرفًا مؤثرًا في الدفع نحو مقاربة أكثر توازنًا للقضايا الإقليمية. وبالتالي، فإن التنسيق الأردني–الصيني لا يقتصر على المصالح الثنائية، بل يمكن أن يمتد إلى الدبلوماسية متعددة الأطراف وإدارة الأزمات ودعم جهود السلام.

وفي البعد الأمني والاستراتيجي، تقدم المقابلة مفهومًا أوسع للأمن يتجاوز القوة العسكرية المباشرة. فالأمن الإقليمي، وفق هذه الرؤية، يرتبط بالاستقرار السياسي، وحل النزاعات، ومنع امتداد الأزمات، وحماية الحدود، ومواجهة تداعيات الصراعات، إلى جانب الدبلوماسية الوقائية. ومن هنا فإن الدور الأردني لا يقوم فقط على حماية أمنه الوطني، بل أيضًا على محاولة منع انتقال أزمات المنطقة إلى دوائر أوسع من عدم الاستقرار.

ورغم أن المقابلة لم تدخل في تفاصيل التعاون العسكري بين الأردن والصين، فإن البعد الأمني فيها يكتسب أهمية استراتيجية؛ لأن الأمن في النظام الدولي المعاصر لم يعد عسكريًا بحتًا، بل أصبح منظومة تشمل الأمن السياسي والاقتصادي والطاقوي والغذائي والتكنولوجي والأمن السيبراني. وهذا الفهم الشامل للأمن ينسجم مع طبيعة التحديات التي تواجهها الدول في بيئة إقليمية متغيرة.

اقتصاديًا، تحمل المقابلة رسالة واضحة بالانتقال من التبادل التجاري إلى الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية. فحديث جلالة الملك عن التصنيع والتصدير والاستثمار والبنية التحتية والتعدين والطاقة يعكس رغبة في جذب استثمارات ذات قيمة مضافة، وليس مجرد زيادة حجم التجارة. والأهم أن الأردن يطرح نفسه كمنصة إنتاجية يمكن للاستثمارات الصينية أن تنطلق منها نحو أسواق المنطقة، مستفيدة من موقع المملكة واتفاقيات التجارة الحرة والموارد البشرية وبيئة الأعمال.

وتكتسب الإشارة إلى الاستثمار الصيني في قطاع البوتاس أهمية خاصة؛ لأنها تقدم نموذجًا عمليًا على انتقال العلاقة من التعاون السياسي إلى شراكات استثمارية طويلة الأمد في قطاعات استراتيجية. ومن هنا يمكن البناء على هذه التجربة نحو مجالات أوسع تشمل الصناعات التحويلية والتعدين والطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.

وفي قطاع الطاقة، يفتح الأردن صفحة جديدة في مفهوم أمن الطاقة من خلال التوسع في الطاقة المتجددة والتخزين والطاقة الخضراء. وهنا تتقاطع احتياجات الأردن مع القدرات الصناعية والتكنولوجية الصينية بصورة واضحة. فالشراكة في هذا المجال يمكن ألا تقتصر على إنتاج الطاقة، بل تمتد إلى التكنولوجيا ونقل المعرفة والتصنيع وبناء القدرات، بما يعزز قدرة الأردن على بناء اقتصاد أكثر استدامة وأقل تعرضًا لتقلبات أسواق الطاقة.

أما في المجال التكنولوجي والرقمي، فإن تركيز جلالة الملك على الذكاء الاصطناعي ورقمنة الإدارة العامة يعكس تحولًا في مفهوم التحديث نفسه. فالتحديث الاقتصادي لم يعد مجرد إصلاح مالي أو جذب استثمارات، وإنما أصبح مشروعًا لبناء اقتصاد معرفي ودولة رقمية. وهنا يمكن للصين أن تكون شريكًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتعليم التقني، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات البشرية.

وهذا يقود إلى البعد التنموي والبشري في العلاقات. فالمنح الدراسية والتدريب وتعليم اللغة الصينية والتعاون الأكاديمي لا تمثل برامج مساندة فقط، وإنما تؤسس لما يمكن تسميته دبلوماسية بناء القدرات. فالاستثمار في الإنسان يخلق شبكة من المعرفة والخبرات والعلاقات المهنية التي تمنح الشراكة بين البلدين قدرة أكبر على الاستمرار والتوسع عبر الأجيال.

ولا تقل أهمية القوة الناعمة عن القوة الاقتصادية. فالسياحة والثقافة والسينما والربط الجوي يمكن أن تفتح مسارات جديدة للعلاقات الشعبية. والأردن يمتلك مواقع تاريخية وطبيعية فريدة يمكن أن تشكل عامل جذب للسياحة والإنتاج السينمائي الصيني، بما يعزز حضور الأردن في الوعي الشعبي الصيني، ويحول العلاقات من شراكة بين الحكومات إلى علاقة أكثر عمقًا بين المجتمعات.

وعلى المستوى الإقليمي والدولي، يكتسب حديث جلالة الملك عن الجنوب العالمي أهمية خاصة؛ لأنه يعكس قراءة أردنية للتحول في بنية النظام الدولي، حيث تتزايد أدوار القوى الاقتصادية والسياسية خارج مراكز القوة التقليدية. فالدعوة إلى نظام دولي أكثر عدالة، واحترام القانون الدولي، وتعزيز التعددية والعمل متعدد الأطراف، تتقاطع مع مصالح الأردن في بيئة دولية أكثر توازنًا وقدرة على معالجة الأزمات بالحوار والقانون.

ومن هنا يمكن فهم الدور الذي يطرحه الأردن لنفسه بوصفه دولة جسر بين العالم العربي والصين، وبين الشرق والغرب، وبين المصالح الاقتصادية والأهداف السياسية. وهذا الدور لا يستند إلى الجغرافيا وحدها، بل إلى رصيد دبلوماسي تراكم عبر عقود من سياسة خارجية تقوم على الاعتدال والحوار وبناء التفاهمات.

والرسالة الأعمق في المقابلة أن الأردن لا يبحث عن استبدال شريك بشريك، وإنما عن توسيع دائرة الشراكات وتعظيم الخيارات. وهذه هي جوهر دبلوماسية التوازن الاستراتيجي: الحفاظ على الثوابت، وتجنب الاصطفافات الحادة، والانفتاح على القوى الدولية الصاعدة، وتحويل العلاقات الدولية إلى أدوات تخدم الأمن الوطني والتنمية والمصلحة الاقتصادية.

وبهذه القراءة، فإن مقابلة جلالة الملك مع وكالة الأنباء الصينية الرسمية شينخوا ليست مجرد حديث عن خمسين عامًا من العلاقات الدبلوماسية المقبلة، ولا مجرد استعراض لإنجازات عقد من الشراكة الاستراتيجية، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها خريطة طريق سياسية واقتصادية ودبلوماسية للمرحلة المقبلة.

فالرسالة الملكية تجمع بين الثبات في المبادئ والمرونة في الأدوات؛ بين التمسك بالقضية الفلسطينية والقدس، والانفتاح على التحولات الدولية؛ وبين حماية الأمن الوطني والسعي إلى فرص التنمية؛ وبين الموقع الجيوسياسي للأردن والميزة الجيو-اقتصادية التي يستطيع بناءها.

وفي المحصلة، فإن الشراكة الأردنية–الصينية تبدو أكبر من ملف ثنائي؛ إنها إحدى أدوات الأردن في إدارة التحول الدولي وتوسيع هامشه الاستراتيجي. فالأردن لا يعيد رسم تحالفاته بقدر ما يعيد توسيع خياراته، ولا يتعامل مع التحولات الدولية باعتبارها تهديدًا فقط، بل يسعى إلى تحويلها إلى فرص للاستثمار والتنمية وتعزيز الحضور الدبلوماسي.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للرسالة الملكية: الأردن يريد أن يكون شريكًا في صياغة المرحلة المقبلة، لا مجرد متلقٍ لتداعياتها؛ دولة تحافظ على ثوابتها، وتنوع شراكاتها، وتوظف موقعها، وتستثمر في الإنسان والتكنولوجيا، وتستخدم الدبلوماسية لبناء الاستقرار، والاقتصاد لبناء المناعة، والشراكات الدولية لتوسيع مساحة القرار الوطني.

إنها، في جوهرها، دبلوماسية واقعية ذات رؤية استراتيجية؛ ثابتة في المبادئ، مرنة في الأدوات، متعددة في الشراكات، واعية بموازين القوى، وتقرأ النظام الدولي لا كما هو فقط، بل كما يتشكل، وتسعى إلى أن يكون الأردن جزءًا فاعلًا في تشكيل موقعه داخله.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :