facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




« استباق الخيرات ؛ من الفردية إلى بناء مجتمعٍ يصنع الحضارةة»


عماد عواودة
21-08-2026 01:24 PM

ثمة آيات يقرأها الإنسان في أول الأمر كأنها توجيه إلى نفسه ، ثم لا يلبث أن يراها أوسع من نفسه ، وأبعد من حدود السلوك الفردي ؛ ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة البقرة : ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ ؛ فهي في ظاهرها دعوة إلى المبادرة في الخير ، ولكنها في عمقها تفتح باباً إلى تصور متكامل للإنسان حين يعيش بين الناس ، وإلى مجتمع يستطيع أن يحوّل الفضيلة الفردية إلى قوة بناء واستمرار .

القرآن لم يقل : افعلوا الخيرات فحسب ، وإنما قال : « فاستبقوا » ؛ وفي الاستباق حركةٌ تتجاوز انتظار الفرصة إلى صناعة المبادرة ، وتتجاوز صلاح الفرد إلى فاعليته ؛ فالخير الذي يبقى حبيس صاحبه يظل فضيلة شخصية ، أما الخير الذي ينتقل من إنسان إلى إنسان ، فيوشك أن يصبح ثقافةً عامة .

هنا يبدأ الانتقال من الفردية إلى الاجتماع ؛قد يتصدق إنسان ، ويُعلَّم آخر ، ويصلح ثالث بين متخاصمين ، ويكف رابع أذى كان قادراً عليه ؛ تبدو هذه الأفعال صغيرة إذا نظرنا إليها منفردة ، لكنها حين تتكرر في مجتمع ، وتصبح مألوفةً في سلوكه ، فإنها تصنع شيئاً أكبر من مجموعها : تصنع الثقة ، والتكافل ، والشعور بالمسؤولية ، واحترام الإنسان ، وهي كلها اللبنات الأولى لمجتمع قادر على النهوض .

لذلك جاءت « الخيرات » هنا بالجمع ؛ فالخير ليس طريقاً واحداً ، ولا يطلب من الناس أن يكونوا نسخاً متشابهة ؛ لكل إنسان موضع يستطيع أن يصنع فيه خيراً : بعلمه ، وماله ، وعمله ، وكلمته ، وموقفه ، وحتى بصمته حين يكون الكلام أذى .

في هذا المعنى يتغير مفهوم النجاح نفسه ؛ فلا يكون الإنسان عظيماً بمقدار ما جمع من مال أو ملك من أرض أو بلغ من جاه ، وإنما بمقدار ما استطاع أن يحول ما لديه إلى منفعة تتجاوز حدود ذاته ؛ وهنا تتحول المنافسة من صراع على الامتلاك إلى سباق في الإضافة .

من تكرار هذه المبادرات الفردية يتكون المجتمع الفاعل ؛ مجتمع لا ينتظر أن يأتيه الإصلاح من الخارج ، ولا يتوقف عند أول أزمة ، لأنه يملك في داخله رصيداً من القيم التي تعيد إنتاج الحياة كلما أصابها الوهن ؛ وهنا تظهر عظمة التصور القرآني للمجتمع : ليس مجتمعاً ساكناً تحرسه العادات ، وإنما مجتمعاً ديناميكياً ، يتحرك بالخير ، ويجدد قدرته على البقاء كلما تبدلت الظروف واشتدت التحديات .

القرآن ، حين يبني الإنسان ، لا يريده فرداً صالحاً منعزلاً عن حركة الحياة ، بقدر ما يريده عنصراً في عمرانها ؛ وحين يبني المجتمع ، لا يريده تجمعاً للأفراد ، بقدر ما أنه كيان تتساند فيه الخيرات حتى يصبح قادراً على الاستمرار .

وإن الحضارة ، في أعمق معانيها ، ليست إلا هذا التراكم الهادئ : فردٌ استبق خيراً ، فتلاه فرد ، ثم جماعة ، ثم أجيال ؛ حتى غدا الخير من سلوك الإنسان ، إلى روح المجتمع ، ومن روح المجتمع إلى صورةٍ من صور الحضارة .

عندها لا يعود قوله تعالى : ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ أمراً للفرد وحده ، لكن يبدو كأنه يفتح أمام الإنسان طريقاً من ذاته الصغيرة إلى أفقٍ أوسع ، حيث يصبح الخير قوةً تحفظ المجتمع من التآكل ، وتمنحه القدرة على أن يواصل السير ، مهما تغيرت الأيام ، ومهما اشتدت الرياح .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :