« استباق الخيرات ؛ من الفردية إلى بناء مجتمعٍ يصنع الحضارةة»
عماد عواودة
21-08-2026 01:24 PM
ثمة آيات يقرأها الإنسان في أول الأمر كأنها توجيه إلى نفسه ، ثم لا يلبث أن يراها أوسع من نفسه ، وأبعد من حدود السلوك الفردي ؛ ومن هذه الآيات قوله تعالى في سورة البقرة : ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ ؛ فهي في ظاهرها دعوة إلى المبادرة في الخير ، ولكنها في عمقها تفتح باباً إلى تصور متكامل للإنسان حين يعيش بين الناس ، وإلى مجتمع يستطيع أن يحوّل الفضيلة الفردية إلى قوة بناء واستمرار .
القرآن لم يقل : افعلوا الخيرات فحسب ، وإنما قال : « فاستبقوا » ؛ وفي الاستباق حركةٌ تتجاوز انتظار الفرصة إلى صناعة المبادرة ، وتتجاوز صلاح الفرد إلى فاعليته ؛ فالخير الذي يبقى حبيس صاحبه يظل فضيلة شخصية ، أما الخير الذي ينتقل من إنسان إلى إنسان ، فيوشك أن يصبح ثقافةً عامة .
هنا يبدأ الانتقال من الفردية إلى الاجتماع ؛قد يتصدق إنسان ، ويُعلَّم آخر ، ويصلح ثالث بين متخاصمين ، ويكف رابع أذى كان قادراً عليه ؛ تبدو هذه الأفعال صغيرة إذا نظرنا إليها منفردة ، لكنها حين تتكرر في مجتمع ، وتصبح مألوفةً في سلوكه ، فإنها تصنع شيئاً أكبر من مجموعها : تصنع الثقة ، والتكافل ، والشعور بالمسؤولية ، واحترام الإنسان ، وهي كلها اللبنات الأولى لمجتمع قادر على النهوض .
لذلك جاءت « الخيرات » هنا بالجمع ؛ فالخير ليس طريقاً واحداً ، ولا يطلب من الناس أن يكونوا نسخاً متشابهة ؛ لكل إنسان موضع يستطيع أن يصنع فيه خيراً : بعلمه ، وماله ، وعمله ، وكلمته ، وموقفه ، وحتى بصمته حين يكون الكلام أذى .
في هذا المعنى يتغير مفهوم النجاح نفسه ؛ فلا يكون الإنسان عظيماً بمقدار ما جمع من مال أو ملك من أرض أو بلغ من جاه ، وإنما بمقدار ما استطاع أن يحول ما لديه إلى منفعة تتجاوز حدود ذاته ؛ وهنا تتحول المنافسة من صراع على الامتلاك إلى سباق في الإضافة .
من تكرار هذه المبادرات الفردية يتكون المجتمع الفاعل ؛ مجتمع لا ينتظر أن يأتيه الإصلاح من الخارج ، ولا يتوقف عند أول أزمة ، لأنه يملك في داخله رصيداً من القيم التي تعيد إنتاج الحياة كلما أصابها الوهن ؛ وهنا تظهر عظمة التصور القرآني للمجتمع : ليس مجتمعاً ساكناً تحرسه العادات ، وإنما مجتمعاً ديناميكياً ، يتحرك بالخير ، ويجدد قدرته على البقاء كلما تبدلت الظروف واشتدت التحديات .
القرآن ، حين يبني الإنسان ، لا يريده فرداً صالحاً منعزلاً عن حركة الحياة ، بقدر ما يريده عنصراً في عمرانها ؛ وحين يبني المجتمع ، لا يريده تجمعاً للأفراد ، بقدر ما أنه كيان تتساند فيه الخيرات حتى يصبح قادراً على الاستمرار .
وإن الحضارة ، في أعمق معانيها ، ليست إلا هذا التراكم الهادئ : فردٌ استبق خيراً ، فتلاه فرد ، ثم جماعة ، ثم أجيال ؛ حتى غدا الخير من سلوك الإنسان ، إلى روح المجتمع ، ومن روح المجتمع إلى صورةٍ من صور الحضارة .
عندها لا يعود قوله تعالى : ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ أمراً للفرد وحده ، لكن يبدو كأنه يفتح أمام الإنسان طريقاً من ذاته الصغيرة إلى أفقٍ أوسع ، حيث يصبح الخير قوةً تحفظ المجتمع من التآكل ، وتمنحه القدرة على أن يواصل السير ، مهما تغيرت الأيام ، ومهما اشتدت الرياح .