المواطنة كاستراتيجية وطنية لبناء الإنسان والدولة في الأردن
د. جاسر خلف محاسنه
21-08-2026 09:33 PM
تُبنى الدول في وجدان الإنسان قبل ظهورها في مؤسساتها، وتبدأ صناعة الدولة من اللحظة التي يتشكل فيها وعي الطفل الأول في البيت ثم المدرسة ثم الحي ثم المدينة. فالأمر يتطلب النظر إلى هذا التأسيس كمشروع طويل المدى يبدأ حين يكتشف الطفل أن له مكانًا في وطنه، وأن لهذا المكان حقوقًا ومسؤوليات، وأن الآخرين شركاء في المساحة ذاتها، إذ يتعلم احترام الدور والمحافظة على الممتلكات العامة والاستماع إلى الرأي المختلف والعمل مع الفريق وتحمل نتيجة الاختيار وخدمة المجتمع، وهي تفاصيل تبدو صغيرة في عمر الطفل لكنها تتحول مع الزمن إلى سلوك اجتماعي يصنع شكل الدولة.
ومن هنا يمكن قراءة التجربة الأمريكية في بناء المواطنة، حيث ارتبط تشكيل المواطن بالتعليم المدني والدستور والمجتمع المحلي والجمعيات والعمل التطوعي والمشاركة في الحياة العامة، فدخلت المواطنة إلى المدرسة باعتبارها ممارسة يومية عبر الانتخابات الطلابية والنقاش والعمل الجماعي والخدمة المجتمعية والمعرفة بالحقوق والواجبات والتدريب المبكر على المشاركة، حتى تحولت المواطنة من مفهوم يُدرّس إلى سلوك يُعاش.
وهذه النقطة تستحق تأملًا جادًا في التجربة الأردنية، فخلال عقود بناء الدولة حقق الأردن إنجازات كبيرة في التعليم والمؤسسات والبنية التحتية والخدمات، وفي المقابل بقي مشروع بناء المواطن بحاجة إلى رؤية وطنية متكاملة تمتد عبر الأجيال، فقد اهتممنا ببناء مؤسسات الدولة وحان وقت بناء الثقافة التي تجعل المواطن شريكًا في حماية هذه المؤسسات وتطويرها، لأن الدولة الحديثة تحتاج إلى مواطن يرى المجال العام امتدادًا لحياته اليومية؛ فالشارع ملكه، والحديقة ملكه، والمدرسة فضاؤه، والجامعة مجاله، والمال العام أمانة تخص مستقبله، والقانون إطار مشترك يحفظ حقوق الجميع.
وعندما تتكون هذه القناعة في سن مبكرة تتغير علاقة الإنسان بالدولة، فينتقل الانتماء من دائرة الأسرة والعشيرة والمنطقة إلى دائرة وطنية أوسع، وتتحول الهوية الوطنية من شعار إلى ممارسة. وهنا تكمن المسألة الأعمق؛ فالمواطنة تستطيع أن تصبح الجسر الذي يصل بين الهويات الاجتماعية المختلفة داخل الدولة، لأن العائلة تمنح الإنسان جذوره، والمدينة تمنحه ذاكرتها، والعشيرة تمنحه امتدادها الاجتماعي، والثقافة تمنحه ملامحه، بينما تمنحه المواطنة المجال الذي تجتمع فيه هذه المكونات داخل هوية وطنية جامعة.
وكلما ترسخت المواطنة أصبح التنوع مصدر قوة، وكلما اتسعت مساحة المجال العام ازدادت قدرة المجتمع على إنتاج الثقة والتعاون والمشاركة. ولهذا فإن خسارة السنوات الأولى من عمر الطفل تعني خسارة مرحلة شديدة التأثير في تشكيل شخصيته، فالطفل الذي يتعلم المشاركة والحوار والمسؤولية والعمل الجماعي يحمل هذه الممارسات معه إلى الجامعة والعمل والأسرة والمجتمع، والجيل الذي يعيش هذه التجربة يصبح قادرًا على إنتاج بيئة اجتماعية جديدة لأبنائه، فالمواطنة عملية تراكمية يربي فيها جيل جيلًا، ويعيد سلوك إنتاج سلوك، وتصنع ثقافة ثقافة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أمام الأردن سؤالًا استراتيجيًا يكمن في أي مواطن نريد أن نرى بعد عشرين عامًا؛ فإذا أردنا موظفًا كفؤًا فالتعليم المهني والجامعي يصنعه، وإذا أردنا اقتصادًا منتجًا فالتعليم والبحث والاستثمار يصنعونه، أما إذا أردنا دولة متماسكة قادرة على مواجهة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فنحن بحاجة إلى مشروع لصناعة المواطن، وهذا المشروع يبدأ من الطفل بالانتقال من التربية الوطنية إلى ممارسة المواطنة.
والحل يبدأ بإعادة تعريف المواطنة داخل النظام التعليمي الأردني لنصل إلى منهج وطني متكامل للمواطنة يبدأ من رياض الأطفال ويستمر حتى الجامعة، بحيث تتحول المواطنة من مادة معرفية إلى تجربة يومية ينتخب فيها الطلبة ممثليهم في المدرسة، ويتعلمون إدارة الحوار وصناعة القرار، ويمارسون العمل التطوعي وخدمة المجتمع، ويتعلمون إدارة الخلاف واحترام الرأي الآخر، ويتعرفون إلى الدستور والقانون والمؤسسات العامة من خلال التجربة، ويشاركون في مشروعات تخدم الحي والمدينة، ويتعلمون المحافظة على البيئة والممتلكات العامة، ويتدربون على الربط بين الحق والمسؤولية، وبين الحرية والانضباط، وبين المشاركة والنتيجة.
ثم تنتقل التجربة إلى الجامعة حيث يصبح الطالب عضوًا في مجتمع أكبر يمارس فيه البحث والحوار والمبادرة والعمل العام. وتحتاج هذه العملية إلى شراكة واسعة بين الأسرة والمدرسة والجامعة والبلديات والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة، بحيث تصبح المواطنة ثقافة اجتماعية متكاملة يحملها الطفل من البيت إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى سوق العمل والمجتمع.
ويمكن للأردن أن يؤسس مركزًا وطنيًا للمواطنة والتحول الاجتماعي يتولى بناء المناهج والممارسات، وتدريب المعلمين، وتصميم برامج المشاركة المجتمعية، ودراسة الفجوات بين الأجيال، وإنتاج مؤشرات وطنية سنوية تقيس تطور المواطنة. وهنا يتحول الموضوع من شعار إلى مشروع قابل للقياس لنعرف بعد خمس سنوات كيف تغيرت مشاركة الطلبة، وبعد عشر سنوات كيف تغير سلوك المجال العام، وبعد عشرين سنة كيف تغيرت علاقة المواطن بمؤسسات الدولة.
وهذه هي النقلة المطلوبة في أن تصبح المواطنة سياسة دولة طويلة المدى وبديلاً عن الأنشطة الموسمية والمواد المدرسية المجردة. فقد اعتادت الدول أن تقيس قوتها بحجم اقتصادها، وعدد مؤسساتها، وشبكة طرقها، وقدرتها الإنتاجية، والدولة التي تريد بناء مستقبل أكثر رسوخًا تحتاج إلى مؤشر آخر يتمثل في نوعية المواطن الذي تنتجه؛ فالمؤسسات تصنع النظام، والاقتصاد يصنع القوة، والتعليم يصنع المعرفة، أما المواطن فيصنع العلاقة التي تجمع كل ذلك في دولة واحدة. ولهذا فإن الاستثمار الأهم الذي يستطيع الأردن أن يبدأه اليوم يقع في المكان الذي يبدو أبسط الأماكن وهو الطفل، فهناك تمامًا تبدأ القصة.