حين تصبح القرارات الإدارية بحاجة إلى مراجعة .. نجاح الجامعة لا يلغي ضرورة ضبط المسار.
حاتم القرعان
21-08-2026 11:07 PM
في مسيرة الجامعات، لا تُقاس الإنجازات بعدد المؤتمرات التي تُنظَّم، ولا بعدد حفلات التخرج التي تخرج بصورة لائقة، ولا بحجم الأنشطة التي تربط الجامعة بمحيطها المحلي فحسب؛ فالجامعة في جوهرها منظومة متكاملة، تقوم على العدالة الإدارية، وحسن توزيع الكفاءات، وصون الحقوق، وإدارة الموارد البشرية بما يخدم رسالتها الأكاديمية قبل أي اعتبار آخر.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن بعض الملاحظات التي تُثار حول إدارة إحدى الجامعات الأردنية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقاصاً من الجهود التي بُذلت خلال المرحلة الماضية. فالجامعة شهدت تطوراً في عدد من المجالات، ونجحت إدارتها في تنظيم مؤتمرات وفعاليات أكاديمية، وأظهرت حضوراً في المناسبات الجامعية، كما كان لها دور في خدمة المجتمع المحلي، وهي جوانب تستحق التقدير متى كانت نتائجها ملموسة ومستدامة.
لكن النجاحات، مهما كانت مهمة، لا ينبغي أن تكون ستاراً يحجب الأسئلة المشروعة حول بعض القرارات الإدارية. ومن أبرز ما يُتداول في هذا السياق وجود ملاحظات على ملف التنقلات الداخلية، ولا سيما ما يتعلق بنقل عدد من أساتذة المدرسة التابعة للجامعة إلى الدائرة المالية، وهي قرارات تحتاج إلى تفسير واضح يبيّن الأسس والمعايير التي استندت إليها، ومدى ارتباطها بالمصلحة الأكاديمية والإدارية للجامعة.
كما تُثار تساؤلات أخرى حول التوسع في تعيين المستشارين داخل الجامعة، وما إذا كانت هذه التعيينات تستند إلى حاجة مؤسسية فعلية واختصاصات محددة، أم أنها قد تؤدي، مع مرور الوقت، إلى تضخم في الهياكل الإدارية وتعدد مراكز القرار. فالاستشارة في المؤسسات الكبرى ينبغي أن تكون إضافة نوعية للقرار، لا طبقة جديدة تثقل مساره.
وليس المقصود هنا إطلاق أحكام مسبقة أو توجيه الاتهام إلى رئيس الجامعة أو أي مسؤول فيها، فالتقييم الموضوعي يحتاج إلى وثائق وبيانات وإجابات رسمية. لكن الإدارة الجامعية الرشيدة تقتضي أن تكون القرارات الكبرى قابلة للتفسير، وأن يشعر الأكاديميون والموظفون بأن معيار الكفاءة والحاجة المؤسسية هو البوصلة التي توجه حركة التنقلات والتعيينات.
فالجامعة تشبه سفينة كبيرة؛ قد تبدو من الخارج في كامل اتزانها وهي تمضي نحو وجهتها، لكن سلامة الرحلة لا تعتمد على منظرها الخارجي وحده، وإنما على انتظام عمل كل جزء من أجزائها في الداخل. وأي خلل في توزيع الكفاءات أو تضخم غير مبرر في الهياكل الإدارية قد لا تظهر آثاره مباشرة، لكنه قد يترك مع الوقت أثراً على الأداء الأكاديمي والاستقرار المؤسسي.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس التشكيك في تجربة الجامعة ولا التقليل من إنجازاتها، وإنما فتح باب المراجعة الهادئة والشفافة لبعض القرارات التي أثارت تساؤلات في الأوساط الجامعية. وإذا كانت الإجراءات المتخذة سليمة ومستندة إلى الأنظمة والتعليمات والحاجة الفعلية، فإن توضيحها للرأي العام والأسرة الجامعية سيغلق باب التأويل ويعزز الثقة بالإدارة.
إن قوة رئيس الجامعة لا تكمن في أن تخلو مسيرته من النقد، بل في قدرته على تحويل النقد إلى فرصة للمراجعة والتصحيح. والجامعة التي تريد أن تكون منارة للعلم والمعرفة عليها أن تجعل من الشفافية عنواناً لإدارتها، ومن العدالة معياراً لقراراتها، ومن الكفاءة أساساً لاختيار مواقع المسؤولية.
وفي النهاية، تبقى مصلحة الجامعة فوق الأشخاص والمواقع، لأن الجامعات لا تُبنى بالقرارات الفردية وحدها، وإنما بتراكم الثقة والعمل المؤسسي. وما دام الهدف هو حماية مسيرة الجامعة والحفاظ على ما تحقق فيها من نجاح، فإن مراجعة أي ملاحظات إدارية، مهما كان مصدرها، يجب ألا تُنظر إليها باعتبارها خصومة، بل باعتبارها جزءاً من مسؤولية مشتركة تجاه مؤسسة يفترض أن تبقى أكبر من الجميع.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة جلالة عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.