facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الدكتور أحمد شريف الزعبي .. حارس الذاكرة التي تجاوزت حدود الوطن


عماد عواودة
22-08-2026 12:02 PM

في تشييع مهيب حُمل اليوم جثمان الدكتور أحمد شريف الزعبي ، ابي أكرم ، على الأكتاف ، وتوارىٰ تحت الأرض ، وإني لأظن أن الأرض ضمته كأم رؤوم ، وأنا آثرت أن اسرد بعض سيرة الدكتور الزعبي في يوم وداعه ، لأنني احمل لـ ابي أكرم كلّ مشاعر الوفاء ، لما ترك في نفسي من أثر ، وكذلك ترك الاثر الكبير في نفوس من عرفه وخالطه ..

بعض الرجال يمرون في الحياة كما يمر العابرون ، يتركون وراءهم أثراً في مكان ، أو وظيفة ، أو كتاب ، ثم يمضي بهم الزمن إلى النسيان، وبعضهم يختارون لأنفسهم مهمة أخرى ؛ أن يقفوا في وجه النسيان ، وأن يلتقطوا من بين أصابع الزمن ما يتساقط من ذاكرة الناس ، فيعيدوا إليه اسمه ، وصوته ، ورائحته ، ومكانه في الحكاية .

كان الدكتور أحمد شريف الزعبي ، أبو أكرم ، واحداً من هؤلاء .

ولد في بلدة خرجا ، في لواء بني كنانة ، سنة 1947 ، في بيئة شمالية تتنفس هواء حوران ، وتحمل في لغتها وعاداتها وحكاياتها امتداداً لجغرافيا أوسع من الخرائط السياسية ؛ ثم مضى في طريق العلم ، فدرس التاريخ في جامعة دمشق ، والدراسات الاجتماعية والتربية في جامعة اليرموك ، ومناهج وطرق تدريس الاجتماعيات في جامعة أم درمان ، قبل أن يعمل معلماً ويتدرج في مواقع التربية والتعليم والإدارة ، حتى تولى مواقع قيادية في مديريات التربية والتعليم .

لكن الوظيفة ، على أهميتها ، لم تكن الحكاية كلها ؛ الحكاية الحقيقية بدأت حين أدرك أبو أكرم أن وراء كل كلمة يقولها الناس تاريخاً ، ووراء كل عادة معنى ، ووراء كل أغنية ذاكرة ، وأن ما يظنه الناس شيئاً عابراً من حياتهم اليومية قد يكون ، بعد سنوات ، وثيقة لا تعوض.

كان الزعبي يذهب إلى الناس ، لا ليحدثهم عن التراث ، بقدر أنه يريد أن يسمع منهم التراث ؛ يجلس إلى كبار السن ، يصغي إلى حكاياتهم، يلتقط المفردة من أفواههم ، يسأل عن اسم الأداة ، وعن طريقة استعمالها ، وعن سبب العادة ، وعن معنى الأغنية ، وعن اللعبة التي كان الأطفال يمارسونها ، وعن المضافة التي كانت تجمع الرجال ، وعن « التعليلة » التي كانت تمتد بالليل حتى يوشك الفجر أن يطلع ، كان يعرف أن الذاكرة الشفوية لا تعيش في الكتب ، وإنما في الإنسان ؛ وأن الرجل الذي يحفظ كلمة قد لا يعرف قيمتها العلمية ، والمرأة التي تتذكر وصفة قديمة ، والشيخ الذي يستعيد أغنية من أيام الشباب ، كل واحد منهم يحمل صفحة من كتاب لم يُطبع بعد .

لذلك كان أبو أكرم بين الناس قريباً منهم ، يأخذ منهم ويعطيهم ، ويعامل ذاكرتهم باحترام الباحث وأمانة المؤتمن ؛ فهو لم يكن جامعاً للنوادر ، ولا سائحاً في الماضي ؛ كان باحثاً يتقصى، ويقارن ، ويرتب ، ويدوّن ؛ وهذا ما يفسر غزارة إنتاجه وتنوعه ؛ فقد كتب في الحكاية الشعبية ، والأغنية ، والألعاب ، والحيوانات ، والمضافات والتعاليل ، والطعام والطب الشعبي ، وأدب الطفل ، وغيرها ، حتى جاءت « الموسوعة في التراث الشعبي الأردني » في 762 صفحة ، موزعة على أبواب واسعة تشمل العادات والتقاليد ، والأدب الشعبي ، والفنون ، والحرف والمهن ، والمعارف المتعلقة بالطبيعة والكون ، والتراث المادي .

ولعل « معجم اللهجة الحورانية » يكشف جانباً أعمق من مشروعه ؛ فقد جمع نحو عشرة آلاف مفردة ذات معنى أو دلالة أو كناية ، محاولاً تتبع أصول اللهجة وصلتها بالفصحى وتفرعاتها ، وما تأثرت به من لغات وحضارات .

هنا يتجاوز الزعبي حدود الباحث في التراث الأردني إلى أفق آخر : حارس التراث الحوراني ؛ فحوران لم تكن يوماً فكرة محصورة في خط سياسي ؛ إنها أرض ، ولغة ، وذاكرة ، وطرق عيش ، وأغنيات ، وأمثال ، ولهجات ، وصلات اجتماعية امتدت قبل الحدود الحديثة وبعدها ؛ ومن بلدة خرجا ، القريبة من اليرموك ، كان أبو أكرم يرى هذه الجغرافيا الثقافية بعين أوسع من الجغرافيا السياسية ؛ لم يكن يلغي الحدود، ولكنه كان يعرف أن الذاكرة أقدم منها .

ومن أجمل ما يكشف روح الرجل أنه حين أُشهرت موسوعته ، أهدى وزيرة الثقافة منجلاً نسائياً قديماً ورثه عن والدته ؛ منجل لم يكن بالنسبة إليه قطعة قديمة ، وإنما علامة على علاقة المرأة الأردنية بالأرض ؛ في تلك اللحظة تختصر حياة كاملة : باحث قضى عمره يكتب عن التراث ، ثم جاء بالتراث نفسه من بيت أمه ، ووضعه بين أيدي الناس .

كان يقول الدكتور الزعبي في تعريفه للتراث ، إنه يحافظ على الهوية الوطنية ، وإنه سجل للأحداث الاجتماعية بأشكالها وصورها ؛ ولم تكن هذه الكلمات تعريفاً أكاديمياً فحسب ؛ كانت ، في الحقيقة ، تفسيراً لمشروع حياته .

لهذا جاءت شهادات من عرفوا تجربته لتضيء جوانب مختلفة منه ؛ الدكتور « مجد الدين خمش » رأى في عمله أسلوباً سردياً وصفياً يتجاوز الوصف إلى تفسير السلوك من واقع حياة الناس في البادية والريف ، ويربط التراث بالبيئة والأدوات التي صنعها الإنسان .

أما الأستاذ الدكتور « أحمد ملاعبة » ، فقد كتب عنه بعد لقائه في بلدته خرجا ، واصفاً إياه بأنه رجل يزخر عقله بالإبداع ويزهر إنتاجه ، وأنه جمع في تجربته بين الأصالة والمعاصرة ، ورأى فيه صورة من عظمة التراث الأردني .

وفي حديث الباحث « تيسير السعيدين » عن كتابه « الطعام والطب الشعبي في الأردن »، تبدو نبرة أخرى أكثر قرباً ؛ إذ وصف الزعبي بأنه شخصية تربوية نذرت نفسها للبحث والتنقيب والتأليف ، وأنه لم يترك زاوية من زوايا التراث إلا خاض فيها خوض الباحث المنصف الحصيف .

هذه الشهادات ، حين تجتمع ، ترسم لنا الرجل من أكثر من جهة : الأكاديمي الذي يملك أدوات البحث ، والتربوي الذي يعرف كيف تنتقل المعرفة إلى الأجيال ، والباحث الذي يذهب إلى الميدان ، والإنسان الذي بقي قريباً من الناس وذاكرتهم .

كانت علاقته بالتراث علاقة حياة لا علاقة مهنة ؛ فهو لم يكتفِ بأن يحفظ ما كان ، وإنما حاول أن يجد له طريقاً إلى ما سيكون ؛ ولذلك كتب للأطفال أيضاً ، وكأن مشروعه كان يتحرك في اتجاهين متلازمين : أن ينقذ ذاكرة الأجداد من النسيان ، وأن يضع شيئاً منها في يد الأحفاد .

هذا هو المعنى الأعمق لحراسة الذاكرة ؛ فالذاكرة ليست أن نعرف كيف كان الناس يعيشون فحسب ؛ وإنما أن نعرف من كنّا حتى نستطيع أن نفهم من أصبحنا ، وأن نختار ، بوعي ، ما الذي ينبغي أن يبقى معنا ونحن نمضي إلى المستقبل .

رحل الدكتور أحمد شريف الزعبي ، بعد عقود من التعليم والتربية والبحث والتوثيق ، لكنه لم يرحل خالي الوفاض ؛ ترك كتباً ، ومعاجم ، وحكايات ، وأغاني ، ومفردات ، وصوراً ، وشهادات ، وطرقاً للنظر إلى الإنسان الأردني في حياته اليومية ، ترك ما يشبه خريطة للروح الشعبية ، لا ترسم الجبال والوديان والحدود ، وإنما ترسم الإنسان وهو يتكلم ويغني ويعمل ويحتفل ويحزن ويجتمع ويورث أبناءه ما ورثه عن آبائه .

لهذا فإن خسارته ليست خسارة رجل كتب عن التراث فقط ؛ إنها خسارة واحد من أولئك الذين فهموا مبكراً أن ما لا نكتبه اليوم قد لا نجد من يرويه غداً .

ومع ذلك ، فإن أصحاب المشاريع الكبرى لا تنتهي سيرتهم عند قبورهم ؛ تبدأ هناك مرحلة أخرى ، حين تصبح أعمالهم أمانة في أعناق من يأتون بعدهم .

وإنّي لا أرى الدكتور أحمد شريف الزعبي خاتمة فصل في كتاب التراث الأردني ، بقدر ما أراه حلقة مضيئة في سلسلة أطول من بناة الوعي وحراس الذاكرة وصناع الثقافة ؛ أولئك الذين لم يكتفوا بأن يعيشوا في زمانهم ، إنما عملوا كي يتركوا للزمان الذي يأتي بعدهم شيئاً من روحه وارواحهم .

لقد كان أبو أكرم واحداً من أولئك الذين انحنوا على ذاكرة الناس لا ليستخرجوا منها الماضي ، لكن ليستخرجوا منها الإنسان .

إذا كان لكل أمة رجال يبنون الحجر ، ورجال يبنون المؤسسات ، ورجال يحرسون الحدود ، فإن بين هؤلاء وأولئك رجالاً آخرين يحرسون ما هو أعمق من الحدود : يحرسون الذاكرة التي إذا ضاعت ، ضاع بعض معنى الوطن نفسه ؛ وكان أحمد شريف الزعبي واحداً منهم.

رحم الله أبا أكرم ؛ فقد عاش بين الناس ، وأخذ من أفواههم الحكاية ، ومن أيديهم الأداة ، ومن لغتهم الكلمة ، ومن ذاكرتهم المعنى ، ثم أعادها إليهم كتباً تحفظ للأردن بعض صوته القديم ، ولحوران بعض لغتها، وللأجيال القادمة حقها في أن تعرف من أين جاءت .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :