الدكتور أحمد شريف الزعبي .. حارس الذاكرة التي تجاوزت حدود الوطن
عماد عواودة
22-08-2026 12:02 PM
في تشييع مهيب حُمل اليوم جثمان الدكتور أحمد شريف الزعبي ، ابي أكرم ، على الأكتاف ، وتوارىٰ تحت الأرض ، وإني لأظن أن الأرض ضمته كأم رؤوم ، وأنا آثرت أن اسرد بعض سيرة الدكتور الزعبي في يوم وداعه ، لأنني احمل لـ ابي أكرم كلّ مشاعر الوفاء ، لما ترك في نفسي من أثر ، وكذلك ترك الاثر الكبير في نفوس من عرفه وخالطه ..
بعض الرجال يمرون في الحياة كما يمر العابرون ، يتركون وراءهم أثراً في مكان ، أو وظيفة ، أو كتاب ، ثم يمضي بهم الزمن إلى النسيان، وبعضهم يختارون لأنفسهم مهمة أخرى ؛ أن يقفوا في وجه النسيان ، وأن يلتقطوا من بين أصابع الزمن ما يتساقط من ذاكرة الناس ، فيعيدوا إليه اسمه ، وصوته ، ورائحته ، ومكانه في الحكاية .
كان الدكتور أحمد شريف الزعبي ، أبو أكرم ، واحداً من هؤلاء .
ولد في بلدة خرجا ، في لواء بني كنانة ، سنة 1947 ، في بيئة شمالية تتنفس هواء حوران ، وتحمل في لغتها وعاداتها وحكاياتها امتداداً لجغرافيا أوسع من الخرائط السياسية ؛ ثم مضى في طريق العلم ، فدرس التاريخ في جامعة دمشق ، والدراسات الاجتماعية والتربية في جامعة اليرموك ، ومناهج وطرق تدريس الاجتماعيات في جامعة أم درمان ، قبل أن يعمل معلماً ويتدرج في مواقع التربية والتعليم والإدارة ، حتى تولى مواقع قيادية في مديريات التربية والتعليم .
لكن الوظيفة ، على أهميتها ، لم تكن الحكاية كلها ؛ الحكاية الحقيقية بدأت حين أدرك أبو أكرم أن وراء كل كلمة يقولها الناس تاريخاً ، ووراء كل عادة معنى ، ووراء كل أغنية ذاكرة ، وأن ما يظنه الناس شيئاً عابراً من حياتهم اليومية قد يكون ، بعد سنوات ، وثيقة لا تعوض.
كان الزعبي يذهب إلى الناس ، لا ليحدثهم عن التراث ، بقدر أنه يريد أن يسمع منهم التراث ؛ يجلس إلى كبار السن ، يصغي إلى حكاياتهم، يلتقط المفردة من أفواههم ، يسأل عن اسم الأداة ، وعن طريقة استعمالها ، وعن سبب العادة ، وعن معنى الأغنية ، وعن اللعبة التي كان الأطفال يمارسونها ، وعن المضافة التي كانت تجمع الرجال ، وعن « التعليلة » التي كانت تمتد بالليل حتى يوشك الفجر أن يطلع ، كان يعرف أن الذاكرة الشفوية لا تعيش في الكتب ، وإنما في الإنسان ؛ وأن الرجل الذي يحفظ كلمة قد لا يعرف قيمتها العلمية ، والمرأة التي تتذكر وصفة قديمة ، والشيخ الذي يستعيد أغنية من أيام الشباب ، كل واحد منهم يحمل صفحة من كتاب لم يُطبع بعد .
لذلك كان أبو أكرم بين الناس قريباً منهم ، يأخذ منهم ويعطيهم ، ويعامل ذاكرتهم باحترام الباحث وأمانة المؤتمن ؛ فهو لم يكن جامعاً للنوادر ، ولا سائحاً في الماضي ؛ كان باحثاً يتقصى، ويقارن ، ويرتب ، ويدوّن ؛ وهذا ما يفسر غزارة إنتاجه وتنوعه ؛ فقد كتب في الحكاية الشعبية ، والأغنية ، والألعاب ، والحيوانات ، والمضافات والتعاليل ، والطعام والطب الشعبي ، وأدب الطفل ، وغيرها ، حتى جاءت « الموسوعة في التراث الشعبي الأردني » في 762 صفحة ، موزعة على أبواب واسعة تشمل العادات والتقاليد ، والأدب الشعبي ، والفنون ، والحرف والمهن ، والمعارف المتعلقة بالطبيعة والكون ، والتراث المادي .
ولعل « معجم اللهجة الحورانية » يكشف جانباً أعمق من مشروعه ؛ فقد جمع نحو عشرة آلاف مفردة ذات معنى أو دلالة أو كناية ، محاولاً تتبع أصول اللهجة وصلتها بالفصحى وتفرعاتها ، وما تأثرت به من لغات وحضارات .
هنا يتجاوز الزعبي حدود الباحث في التراث الأردني إلى أفق آخر : حارس التراث الحوراني ؛ فحوران لم تكن يوماً فكرة محصورة في خط سياسي ؛ إنها أرض ، ولغة ، وذاكرة ، وطرق عيش ، وأغنيات ، وأمثال ، ولهجات ، وصلات اجتماعية امتدت قبل الحدود الحديثة وبعدها ؛ ومن بلدة خرجا ، القريبة من اليرموك ، كان أبو أكرم يرى هذه الجغرافيا الثقافية بعين أوسع من الجغرافيا السياسية ؛ لم يكن يلغي الحدود، ولكنه كان يعرف أن الذاكرة أقدم منها .
ومن أجمل ما يكشف روح الرجل أنه حين أُشهرت موسوعته ، أهدى وزيرة الثقافة منجلاً نسائياً قديماً ورثه عن والدته ؛ منجل لم يكن بالنسبة إليه قطعة قديمة ، وإنما علامة على علاقة المرأة الأردنية بالأرض ؛ في تلك اللحظة تختصر حياة كاملة : باحث قضى عمره يكتب عن التراث ، ثم جاء بالتراث نفسه من بيت أمه ، ووضعه بين أيدي الناس .
كان يقول الدكتور الزعبي في تعريفه للتراث ، إنه يحافظ على الهوية الوطنية ، وإنه سجل للأحداث الاجتماعية بأشكالها وصورها ؛ ولم تكن هذه الكلمات تعريفاً أكاديمياً فحسب ؛ كانت ، في الحقيقة ، تفسيراً لمشروع حياته .
لهذا جاءت شهادات من عرفوا تجربته لتضيء جوانب مختلفة منه ؛ الدكتور « مجد الدين خمش » رأى في عمله أسلوباً سردياً وصفياً يتجاوز الوصف إلى تفسير السلوك من واقع حياة الناس في البادية والريف ، ويربط التراث بالبيئة والأدوات التي صنعها الإنسان .
أما الأستاذ الدكتور « أحمد ملاعبة » ، فقد كتب عنه بعد لقائه في بلدته خرجا ، واصفاً إياه بأنه رجل يزخر عقله بالإبداع ويزهر إنتاجه ، وأنه جمع في تجربته بين الأصالة والمعاصرة ، ورأى فيه صورة من عظمة التراث الأردني .
وفي حديث الباحث « تيسير السعيدين » عن كتابه « الطعام والطب الشعبي في الأردن »، تبدو نبرة أخرى أكثر قرباً ؛ إذ وصف الزعبي بأنه شخصية تربوية نذرت نفسها للبحث والتنقيب والتأليف ، وأنه لم يترك زاوية من زوايا التراث إلا خاض فيها خوض الباحث المنصف الحصيف .
هذه الشهادات ، حين تجتمع ، ترسم لنا الرجل من أكثر من جهة : الأكاديمي الذي يملك أدوات البحث ، والتربوي الذي يعرف كيف تنتقل المعرفة إلى الأجيال ، والباحث الذي يذهب إلى الميدان ، والإنسان الذي بقي قريباً من الناس وذاكرتهم .
كانت علاقته بالتراث علاقة حياة لا علاقة مهنة ؛ فهو لم يكتفِ بأن يحفظ ما كان ، وإنما حاول أن يجد له طريقاً إلى ما سيكون ؛ ولذلك كتب للأطفال أيضاً ، وكأن مشروعه كان يتحرك في اتجاهين متلازمين : أن ينقذ ذاكرة الأجداد من النسيان ، وأن يضع شيئاً منها في يد الأحفاد .
هذا هو المعنى الأعمق لحراسة الذاكرة ؛ فالذاكرة ليست أن نعرف كيف كان الناس يعيشون فحسب ؛ وإنما أن نعرف من كنّا حتى نستطيع أن نفهم من أصبحنا ، وأن نختار ، بوعي ، ما الذي ينبغي أن يبقى معنا ونحن نمضي إلى المستقبل .
رحل الدكتور أحمد شريف الزعبي ، بعد عقود من التعليم والتربية والبحث والتوثيق ، لكنه لم يرحل خالي الوفاض ؛ ترك كتباً ، ومعاجم ، وحكايات ، وأغاني ، ومفردات ، وصوراً ، وشهادات ، وطرقاً للنظر إلى الإنسان الأردني في حياته اليومية ، ترك ما يشبه خريطة للروح الشعبية ، لا ترسم الجبال والوديان والحدود ، وإنما ترسم الإنسان وهو يتكلم ويغني ويعمل ويحتفل ويحزن ويجتمع ويورث أبناءه ما ورثه عن آبائه .
لهذا فإن خسارته ليست خسارة رجل كتب عن التراث فقط ؛ إنها خسارة واحد من أولئك الذين فهموا مبكراً أن ما لا نكتبه اليوم قد لا نجد من يرويه غداً .
ومع ذلك ، فإن أصحاب المشاريع الكبرى لا تنتهي سيرتهم عند قبورهم ؛ تبدأ هناك مرحلة أخرى ، حين تصبح أعمالهم أمانة في أعناق من يأتون بعدهم .
وإنّي لا أرى الدكتور أحمد شريف الزعبي خاتمة فصل في كتاب التراث الأردني ، بقدر ما أراه حلقة مضيئة في سلسلة أطول من بناة الوعي وحراس الذاكرة وصناع الثقافة ؛ أولئك الذين لم يكتفوا بأن يعيشوا في زمانهم ، إنما عملوا كي يتركوا للزمان الذي يأتي بعدهم شيئاً من روحه وارواحهم .
لقد كان أبو أكرم واحداً من أولئك الذين انحنوا على ذاكرة الناس لا ليستخرجوا منها الماضي ، لكن ليستخرجوا منها الإنسان .
إذا كان لكل أمة رجال يبنون الحجر ، ورجال يبنون المؤسسات ، ورجال يحرسون الحدود ، فإن بين هؤلاء وأولئك رجالاً آخرين يحرسون ما هو أعمق من الحدود : يحرسون الذاكرة التي إذا ضاعت ، ضاع بعض معنى الوطن نفسه ؛ وكان أحمد شريف الزعبي واحداً منهم.
رحم الله أبا أكرم ؛ فقد عاش بين الناس ، وأخذ من أفواههم الحكاية ، ومن أيديهم الأداة ، ومن لغتهم الكلمة ، ومن ذاكرتهم المعنى ، ثم أعادها إليهم كتباً تحفظ للأردن بعض صوته القديم ، ولحوران بعض لغتها، وللأجيال القادمة حقها في أن تعرف من أين جاءت .