من الأردن إلى المستقبل: وزير دولة للذكاء الاصطناعي لصناعة جيل يقود العالم
أ.د احمد منصور الخصاونة
23-08-2026 10:35 PM
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة أو أداة رقمية يمكن توظيفها لتحسين بعض الخدمات، بل أصبح اليوم أحد أهم مكونات القوة الوطنية للدول، ومحركاً رئيسياً للتحولات الاقتصادية والتعليمية والصناعية والإدارية والاجتماعية، وعنصراً حاسماً في تحديد قدرة الدول على المنافسة وصناعة المستقبل. وفي ظل التسارع الهائل الذي يشهده العالم في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في الأردن لم يعد: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ وإنما: كيف نبني قدرة وطنية تجعل الأردن شريكاً في صناعة هذه الثورة، وقادراً على إنتاج المعرفة والكوادر والحلول والمؤسسات التي تقودها؟
ومن هذا المنطلق، أرى أن من المناسب أن يُرفع إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله ورعاه، مقترح استحداث منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي ضمن الفريق الحكومي، بحيث يحظى هذا الملف بالاهتمام السياسي والاستراتيجي الذي يتناسب مع حجمه وتأثيره في مستقبل الدولة والمجتمع والاقتصاد.
إن المقترح لا ينطلق من الرغبة في إضافة منصب حكومي جديد، وإنما من الحاجة إلى وجود قيادة وطنية تتولى بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي في الأردن، وتعمل على الانتقال بالدولة من مرحلة المبادرات والمشاريع المتفرقة إلى مرحلة بناء القدرات الوطنية المستدامة. فالأردن بحاجة إلى رؤية تجعل الذكاء الاصطناعي مشروعاً وطنياً طويل المدى، تشترك فيه الحكومة والجامعات والمدارس والقطاع الخاص ومؤسسات البحث العلمي وريادة الأعمال، وتتكامل فيه الجهود ضمن أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس.
ويمكن أن تكون المهمة الأساسية لوزير الدولة المقترح هي بناء القدرات الوطنية الأردنية في الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من خلال تدريب الموظفين أو إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات الحكومية، وإنما من خلال صناعة جيل جديد من العلماء والمهندسين والباحثين والمبرمجين ورواد الأعمال والقيادات القادرة على قيادة التحول القادم.
فالثروة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون في امتلاك الأجهزة والبرمجيات فقط، وإنما في امتلاك العقول التي تستطيع تطويرها وتطويعها وإنتاج حلول جديدة من خلالها. والأردن يمتلك قاعدة بشرية شابة وكفاءات أكاديمية وتقنية متميزة، الأمر الذي يمنحه فرصة حقيقية لبناء ميزة تنافسية إذا ما جرى توجيه هذه الطاقات ضمن مشروع وطني واضح.
ومن المهم أن يبدأ هذا المشروع من المراحل التعليمية المبكرة، من خلال اكتشاف الطلبة الموهوبين في الرياضيات والبرمجة والعلوم والتكنولوجيا، وتوفير برامج متخصصة لهم، وربطهم بالجامعات ومراكز البحث والشركات، وصولاً إلى إعدادهم ليكونوا علماء ومهندسين وباحثين ورواد أعمال في مجال الذكاء الاصطناعي. كما يمكن إطلاق برامج وطنية لاكتشاف المواهب الأردنية ورعايتها، وتوفير المنح والزمالات والبرامج التدريبية المتقدمة، والاستفادة من الخبرات الأردنية المنتشرة في مختلف دول العالم.
وفي الوقت ذاته، فإن الجامعات الأردنية يجب أن تكون في قلب هذا المشروع الوطني، ليس باعتبارها مؤسسات لتدريس الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما باعتبارها مراكز لإنتاج المعرفة والبحث العلمي والابتكار. ويمكن العمل على تطوير برامج أكاديمية متقدمة، وإنشاء مختبرات وطنية للذكاء الاصطناعي، وتشجيع البحث التطبيقي، وربط الباحثين بالقطاع الخاص، وتحويل مخرجات البحث العلمي إلى منتجات وشركات وحلول يمكن تسويقها محلياً وإقليمياً ودولياً.
كما أن الأردن يستطيع، من خلال هذه الرؤية، أن يتحول إلى بيئة جاذبة للشركات والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأن يستثمر في كفاءاته البشرية وموقعه وعلاقاته الإقليمية ليكون مركزاً إقليمياً للمواهب والابتكار والبحث والتطوير في هذا المجال. فبدلاً من أن يكون الأردن سوقاً لاستهلاك منتجات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يصبح منصة لإنتاج حلول عربية وإقليمية، ولا سيما في المجالات التي يمتلك فيها الأردن خبرات وقدرات متميزة.
ومن المهم كذلك أن يقود وزير الدولة المقترح عملية توظيف الذكاء الاصطناعي في مؤسسات الدولة بصورة مدروسة وآمنة، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتحسين الخدمات الحكومية، ورفع كفاءة الإنفاق، وتحليل البيانات، ودعم صناعة القرار، والتنبؤ بالاحتياجات، وتطوير التعليم والصحة والنقل والطاقة والمياه والزراعة وغيرها من القطاعات الحيوية.
لكن هذا الاستخدام يجب أن يترافق مع منظومة وطنية واضحة للحوكمة والأخلاقيات وحماية البيانات والأمن السيبراني والخصوصية والمسؤولية، بحيث يكون الأردن قادراً على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد السيطرة على بياناته أو أمنه الرقمي أو مصالح مواطنيه.
ويمكن أن يمتد دور وزير الدولة إلى بناء شراكة وطنية حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات البحث والتطوير، بحيث لا تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى. فالحكومة تمتلك البيانات والتحديات الوطنية، والجامعات تمتلك المعرفة والباحثين، والقطاع الخاص يمتلك القدرة على تحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات، والشركات الناشئة تمتلك المرونة والقدرة على الابتكار. وإذا جرى جمع هذه المكونات ضمن منظومة واحدة، فإن الأردن يستطيع تحقيق نتائج تتجاوز بكثير ما يمكن أن تحققه المبادرات الفردية.
كما يمكن للوزير أن يتولى إعداد استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تمتد لعدة سنوات، تتضمن أهدافاً واضحة ومراحل تنفيذ وموازنات ومؤشرات أداء، بحيث يمكن قياس التقدم سنوياً، ومعرفة عدد الكفاءات التي تم تأهيلها، وعدد الشركات الناشئة التي تم دعمها، وحجم الاستثمارات المستقطبة، وعدد الحلول الحكومية التي تم تطويرها، ونسبة المؤسسات التي تم تمكينها من استخدام الذكاء الاصطناعي، وحجم البحث العلمي والبراءات والمنتجات التي يتم إنتاجها محلياً.
إن استحداث منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي يمكن أن يحمل أيضاً رسالة وطنية ودولية مهمة، مفادها أن الأردن ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أولوية استراتيجية مرتبطة بمستقبل الدولة والاقتصاد والإنسان، وأن المملكة لا تريد أن تكتفي بمتابعة التحولات العالمية، وإنما تسعى إلى أن تكون جزءاً من صناعتها وقيادتها.
والأردن لديه فرصة حقيقية في هذا المجال؛ فالدول الكبرى تمتلك رؤوس الأموال والبنية التحتية الضخمة، لكن الأردن يمتلك عنصراً لا يقل أهمية، وهو الإنسان الأردني المتعلم والمبدع والقادر على المنافسة. وقد أثبت الأردنيون عبر العقود قدرتهم على النجاح في مختلف القطاعات داخل المملكة وخارجها، ويمكن توظيف هذه الطاقات في مشروع وطني جديد يجعل من الذكاء الاصطناعي مجالاً لصناعة فرص العمل والثروة والمعرفة، وليس تهديداً لسوق العمل.
إن التحدي الحقيقي أمام الأردن ليس في امتلاك أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، لأن التقنيات يمكن شراؤها، وإنما في امتلاك القدرة الوطنية على فهمها وتطويرها وإدارتها وتوطينها وإنتاج المعرفة من خلالها. وهذه القدرة لا تُبنى في عام أو عامين، وإنما تحتاج إلى قرار استراتيجي وإرادة سياسية واستثمار مستمر في الإنسان والتعليم والبحث العلمي والبنية التحتية والابتكار.
ومن هنا، فإن وجود وزير دولة للذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون خطوة أولى نحو مشروع وطني أكبر، هدفه أن نصنع خلال السنوات القادمة جيلاً جديداً من القيادات والمواهب والعلماء والمهندسين ورواد الأعمال، ونبني مؤسسات حكومية وخاصة قادرة على العمل في اقتصاد المعرفة، ونؤسس بيئة أردنية تجعل من الذكاء الاصطناعي محركاً للتنمية والنمو والابتكار.
إن المستقبل لا ينتظر الدول التي تتردد، والفرص الكبرى في الثورات التكنولوجية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. والأردن، بما يمتلكه من كفاءات بشرية ومؤسسات تعليمية وعلمية وتجربة طويلة في بناء الإنسان، يستطيع أن يحول هذا التحدي إلى فرصة تاريخية إذا تعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروع دولة وليس مشروع وزارة، واستثماراً في الإنسان وليس مجرد استثمار في التكنولوجيا.
ولعل استحداث منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي يكون بداية لمسار وطني طموح يجعل الأردن أكثر قدرة على استشراف المستقبل، وأكثر استعداداً لمتغيرات الاقتصاد العالمي، وأكثر حضوراً في المشهد الإقليمي والدولي، ويضع المملكة في موقع متقدم في صناعة جيل جديد من القيادات والمواهب والمؤسسات القادرة على قيادة المستقبل.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين، ووفق القيادة الهاشمية الحكيمة في مواصلة مسيرة البناء والتحديث، وجعل الأردن دائماً وطناً للعلم والمعرفة والابتكار، وقادراً بسواعد أبنائه وعقولهم على صناعة مستقبله بثقة واقتدار.