أدب الحديث عن سيدنا رسول الله ﷺ: أخطأت يا خليل فاعتذر
د. محمد حيدر محيلان
24-08-2026 09:03 AM
ليس كل ما صح أن يُروى يصح أن يُروى بأي لفظ، فالكلمة ليست مجرد ناقل للمعنى؛ قد تروي الواقعة بأدب يحفظ هيبة المقام، وقد ترويها بلفظ فجّ ينفر منه السمع ويطغى قبحه على الغاية من الرواية. ومن هنا أقول للدكتور خليل الزيود: أخطأت يا خليل، وأخطأت في مقام عظيم، هو مقام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاعتذر واستغفر لما صدر عنك وذلك دأب خير الخطائين.
لن أدخل في نيتك، فالنيات مردها وعلمها إلى الله، ولن أناقش هنا صحة الرواية من ضعفها؛ فلنفترض أنها ثابتة كما رويتها. لكن السؤال: هل ثبوت الواقعة يبيح لنا أن نسردها بأي لغة نشاء؟
قلت إن الرجل:
«لا استطيع ان انقل ما قلت تأدبا مع سيدي الرسول».
وأسألك: لو كنت تروي واقعة تعرض فيها والدك أو والدتك ـ حاشاهما ـ لمثل هذا الاعتداء، هل كنت ستقول: «ب .. بنص وجه أبي» أو «ب .. بنص وجه أمي»؟ أم أنك ستختار بفطرتك وبِرّكْ، عبارة تحفظ كرامتهما حتى وأنت تصف الإساءة إليهما؟ فإذا كان هذا أدبنا مع آبائنا وأمهاتنا، فكيف بسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم؟
لقد علّمنا القرآن نفسه أدب المقام النبوي فقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، وقال سبحانه: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. فتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عاطفة مجردة، بل أدب قرآني في الخطاب والذكر والحديث.
ويُروى في معنى تعظيم السلف لمقام النبوة أن بعضهم كان إذا قرأ القرآن ومرّ بلفظ حكاه الله على ألسنة الكافرين في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقولهم «ساحر» أو «مجنون» أو «كاهن»، خفض صوته عند هذا اللفظ تأدبًا وحياءً من أن يجري وصف السوء بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسانه بصوت مرتفع، مع أنه يقرأ قرآنًا منزلًا يتلى، والقرآن إنما حكى تلك الأقوال ليذم أصحابها ويرد عليهم. وأنا أورد هذا المعنى لما فيه من دلالة بليغة على حساسية اللسان المؤمن تجاه مقام النبوة، لا على سبيل الجزم بصحة أثر بعينه حتى يثبت سنده.
فإذا كان ذلك هو مبلغ الحياء من مجرد تلاوة اللفظ الذي حكاه القرآن عن الكافرين، فكيف بنا ونحن نختار من عند أنفسنا الألفاظ التي نصف بها اعتداءً وقع على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وهنا موضع الاعتراض عليك يا خليل. فالرواية التي سردتها تحكي فعلًا قبيحًا أراد صاحبه به إهانة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلماذا نضيف نحن إلى قبح الفعل قسوة اللفظ؟ كان يكفي أن تقول: «ورد في بعض كتب السيرة أن الرجل ....اساء لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم». فتكون وصلت المعلومة، وحُفظت أمانة الرواية، وعرف المستمع بشاعة الفعل، وبقي لمقام النبي صلى الله عليه وسلم جلاله في اللسان والسمع.
أما « ذكرك وتوصيفك للحدث بلغة الشارع »، فما الذي أضفته ؟ لم تجعل الرواية أدق، ولم تقوِّ الدليل، ولم تخدم الفكرة، وإنما أضافت إلى حادثة مؤذية عبارة عامية فجّة، حتى كاد أسلوب الرواية يطغى على مقصدها. ورب ناقل اساء اكثر من المنقول عنه.
وهنا تظهر قيمة الثقافة الحقيقية. فليس المثقف من يحفظ الروايات ويستحضر الشواهد فقط، وإنما من يعرف ماذا يقول، وكيف يقوله، وعن مَن يتحدث. وما فائدة العلم إن لم يهذب اللسان ويرقق الحس ويعلم صاحبه أن للمقامات لغاتها؟
ان حسن اختيار العبارة، والبلاغة في لفظها من أبجديات الحوار المهذب ؛ واقلها أن تضع الكلمة المناسبة في المكان المناسب، فلا تنفر أذن المستمع ولا تزيد الطين بلة وتضاعف الاساءة الى النبي الكريم.
ولا أقول إنك كنت متشفيًا أو مسرورًا بما وقع، فحاشا أن نحاكم النيات، وهي إلى الله. لكن طريقة العبارة قد توحي للسامع بشيء من ذلك، وهذا وحده سبب كافٍ لمراجعتها. فالفرق كبير بين سوء القصد وسوء التعبير، والاعتذار عن الثاني لا يعني الإقرار بالأول.
يكفي أن تقول: أخطأت في اختيار العبارة، وكان مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلّ من أن أروي عنه الحادثة بهذه اللغة، وأستغفر الله من زلة اللسان. وما كان ذلك لينقص من علمك أو مكانتك، بل الرجوع إلى الصواب فضيلة، والاعتذار عن لفظ غير موفق شجاعة وأدب.
يا خليل، وانت العالم بالنفوس المحلل عنها، إذا كنا ننتقي ألفاظنا حين نتحدث عن آبائنا وأمهاتنا بأجمل الكلمات والعبارات، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بأدب ألسنتنا وجمال ملفوظنا. وإذا كان صاحب الرواية قد أراد بفعله إهانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نُعِن نحن، من حيث لا نقصد، على إعادة قبح المشهد بسوء اللفظ والرواية ونرتكب الخطيئة. فليس كل ما يسمع يقال يا خليل وانت الناصح المداوي.
حدثنا من السيرة ما شئت، وانقل وناقش وحلل كيف شئت، ولكن عندما تبلغ مقام محمد صلى الله عليه وسلم فانتق لفظك، وهذب عبارتك، ودع للهيبة مكانا في الجملة.
فالأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب فرضه الله وهو ليس تزويرًا للتاريخ ولا إخفاءً للوقائع؛ إنه ببساطة أن تعرف عن أي رجل تتحدث.
أخطأت يا خليل؛ وليس العيب أن تخطئ، وإنما الفضيلة أن تعود عن خطئك حين تدرك أن لمقام سيد الخلق من الأدب ما ليس لسواه. فاعتذر .. ولُمَّ المكسور فقد تأذى بشظاياه كل مسلم.
صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.