facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الملك في الصين .. الأردن يعيد رسم موقعه في عالم متعدد الأقطاب


بهاء الشنتير
25-08-2026 11:46 AM

في عالم تتبدل فيه التحالفات، وتُعاد فيه صياغة موازين القوى، وتتحول فيه الأزمات الإقليمية إلى أوراق في لعبة النفوذ الدولي، لا تكون زيارة قائد إلى عاصمة كبرى مجرد زيارة، ولا يكون توقيتها تفصيلًا بروتوكوليًا. ومن هذه الزاوية، فإن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين لم تكن رحلة دبلوماسية عابرة، بل تحركًا محسوبًا في لحظة دولية شديدة الحساسية، أراد الأردن من خلالها أن يؤكد أنه لا ينتظر أن ترسم القوى الكبرى خريطة المنطقة ثم يبحث عن مكانه فيها، بل يسعى إلى أن يكون حاضرًا في صياغة هذه الخريطة، وأن يحوّل موقعه الجغرافي واستقراره السياسي ودوره الإقليمي إلى وزن تفاوضي يتجاوز حجمه الاقتصادي والديموغرافي.

جاءت الزيارة فيما الشرق الأوسط يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا، حيث تتداخل تداعيات الأزمات والحروب مع أمن الطاقة والممرات البحرية والقضية الفلسطينية، بالتزامن مع صعود الصين كقوة دولية كبرى وتصاعد المنافسة بينها وبين الولايات المتحدة. ولهذا فإن اختزال الزيارة في أنها «اقتراب أردني من الصين» قراءة لا تلامس جوهرها؛ فالأردن لا يستبدل واشنطن ببكين، ولا يبحث عن محور جديد، وإنما يمارس ما يمكن وصفه بـ«التنويع الاستراتيجي»؛ أي توسيع شبكة الشراكات الدولية بما يحفظ المصالح الأردنية ويمنح عمّان هامش حركة أوسع في عالم متعدد الأقطاب.

واللافت أن بكين قرأت الأردن بالطريقة ذاتها؛ فالرئيس الصيني شي جين بينغ أكد أهمية الدور «الفريد والمهم» للأردن في المنطقة، ودعا إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية ومواءمة استراتيجيات التنمية بين البلدين، مع توسيع التعاون في الاقتصاد والتجارة والطاقة والتعدين والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتعليم وغيرها. وهذا يعني أن الصين لا ترى الأردن كسوق محدودة فحسب، بل كدولة مستقرة ذات موقع جغرافي حساس، وعلاقات واسعة مع العالم العربي والغرب، ودور سياسي لا يمكن تجاهله في القضية الفلسطينية.

ومن هنا، فإن البعد الاقتصادي للزيارة يحمل رسالة واضحة: الأردن لا يريد أن يكون مستهلكًا للمنتجات الصينية، بل شريكًا في الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا. فالهدف الحقيقي هو جذب الشركات والاستثمارات الصينية إلى المملكة، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات الأردنية، وربط الاقتصاد الأردني بالأسواق الآسيوية والعربية. ولهذا لم تكن بكين وحدها في برنامج الزيارة؛ فشنغهاي وشنتشن تمثلان الوجه الاقتصادي والتكنولوجي والصناعي للصين، في إشارة واضحة إلى أن عمّان تريد أن تتعامل مع الصين السياسية والاقتصادية والتكنولوجية في آن واحد.

لكن ما أعطى الزيارة وزنًا سياسيًا أكبر هو حضور القضية الفلسطينية في صلب المباحثات. فقد أكد الرئيس شي أن القضية الفلسطينية تقع في قلب قضية الشرق الأوسط، وتمسك بحل الدولتين، فيما أكد الأردن والصين أن هذا الحل هو الطريق إلى السلام الدائم. كما تناولت المباحثات التطورات الإقليمية وأمن الملاحة والممرات البحرية، بما في ذلك مضيق هرمز، وهو ما أخرج الزيارة من إطار العلاقات الثنائية إلى فضاء الأمن الإقليمي والدولي.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية التوقيت. الأردن لم ينتظر أن تهدأ المنطقة حتى يتحرك؛ بل تحرك في قلب العاصفة. وهذه ليست مجازفة دبلوماسية، بل تعبير عن إدراك بأن الدول التي تمتلك القدرة على بناء الجسور في لحظات الاستقطاب تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها عندما تتغير خرائط النفوذ. ولذلك فإن موقع الأردن في الحسابات الدولية لا ينبع من مساحته أو موارده فقط، بل من كونه دولة مستقرة في منطقة مضطربة، قريبة من فلسطين، مرتبطة بالخليج، وذات علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، وقادرة في الوقت نفسه على بناء شراكة استراتيجية مع الصين.

ومن الخطأ أن تُقرأ الزيارة على أنها رسالة ضد واشنطن؛ فالأردن يعرف قيمة شراكته الاستراتيجية والأمنية مع الولايات المتحدة، كما تعرف واشنطن قيمة الأردن في معادلات أمن المنطقة. لكن الأردن، في المقابل، لا يريد أن تكون خياراته الاقتصادية والسياسية محصورة في اتجاه واحد. فواشنطن شريك استراتيجي وأمني، وأوروبا شريك سياسي واقتصادي، والخليج عمق عربي واستثماري، والصين شريك متنامٍ في الاقتصاد والتكنولوجيا والأسواق. هذه ليست سياسة محاور؛ إنها سياسة خيارات.

وفي ختام الزيارة، جاءت تغريدة جلالة الملك عبدالله الثاني على منصة «X» لتضع عنوانًا واضحًا للمرحلة المقبلة، حين قال: «في ختام زيارتي للصين، أتقدم بالشكر إلى الرئيس شي جين بينغ والحكومة والشعب الصيني على كرم الضيافة الذي أبدوه. إن لقاءاتنا في بكين وشنتشن وشنغهاي شكلت فرصًا مهمة لتعزيز شراكتنا الاستراتيجية، وتوسيع التعاون في القطاعات الاقتصادية الحيوية. نحن نتطلع إلى البناء على نتائج هذه اللقاءات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها لصالح شعوبنا». وهذه العبارة هي ربما الأهم في قراءة الزيارة؛ لأن الملك نقل مركز الثقل من التوقيع إلى التنفيذ، ومن الدبلوماسية إلى النتائج.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي. فنجاح الزيارة لن يقاس بصور الاستقبال الرسمي، ولا بعدد مذكرات التفاهم، وإنما بما إذا كانت ستتحول إلى استثمارات حقيقية، ومشاريع إنتاجية، ونقل للتكنولوجيا، وزيادة في الصادرات، وفرص عمل، وشراكات طويلة الأمد. فإذا تحقق ذلك، فإن زيارة آب 2026 قد تصبح محطة مفصلية في الاقتصاد الأردني وفي العلاقات الأردنية الصينية، أما إذا بقيت النتائج في إطار البيانات والاتفاقيات، فسيظل نجاحها سياسيًا ودبلوماسيًا أكثر منه اقتصاديًا.

في المحصلة، لم يذهب الملك عبدالله الثاني إلى بكين ليختار بين الشرق والغرب؛ ذهب ليؤكد أن الأردن قادر على أن يكون شريكًا لواشنطن، وصديقًا لبكين، وجسرًا مع العالم العربي، وصوتًا حاضرًا في القضية الفلسطينية، في الوقت نفسه. وفي عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، فإن امتلاك الخيارات قد يكون بحد ذاته أحد أشكال القوة.

إنها، في جوهرها، ليست قصة اقتراب الأردن من الصين بقدر ما هي قصة اتساع المجال الأردني للحركة في عالم يتغير؛ فالأردن لا يملك فائض القوة، لكنه يملك فائض الدبلوماسية، ولا يملك سوقًا ضخمة، لكنه يملك موقعًا لا يمكن تجاهله، ولا يملك القدرة على فرض إرادته على الآخرين، لكنه يمتلك القدرة على أن يجعل الآخرين يأخذون مصالحه ودوره في حساباتهم.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق للزيارة: الأردن لا يريد أن يكون على هامش النظام الدولي الجديد؛ يريد أن يكون حاضرًا في صياغته. ومن بكين إلى عمّان يبدأ الاختبار الحقيقي: من الاتفاقيات إلى التنفيذ، ومن الدبلوماسية إلى النتائج.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :