في عبارةٍ تبدو للوهلة الأولى قاسية، يضع شوبنهاور إصبعه على موضعٍ خفيّ في النفس الإنسانية ؛ يقول : « كل أحمق بائس لا يملك شيئاً يفتخر به ، يتخذ من الفخر بالأمة التي ينتمي إليها ملاذاً أخيراً » ، ثم يمضي في تفكيك ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان مستعداً للدفاع عن عيوب جماعته وحماقاتها. ، كأنما يدافع عن جزءٍ من ذاته .
قد لا يكون شوبنهاور معنياً بالوطنية في معناها النبيل ، ولا بالانتماء بوصفه حاجةً إنسانيةً طبيعية ؛ وإنما يلتفت إلى لحظةٍ يتحول فيها الانتماء من مسؤوليةٍ إلى تعويض ؛ حين لا يجد الإنسان في عمله ، أو خلقه ، أو علمه ، أو أثره ما يمنحه شعوراً بالقيمة ، يبحث عن قيمةٍ جاهزة ، فيستعير مجد الجماعة التي ينتمي إليها .
هنا تبدأ المفارقة.
فإن تقول : « وطني عظيم » ليس إنجازاً شخصياً ، وأن تردد أمجاد أجدادك لا يعني أنك ورثت فضائلهم ؛ وكذلك أن تكون قبيلتك ذات تاريخٍ عريق لا يجعل منك بالضرورة صاحب مروءة ، ما لم تحمل من ذلك التاريخ شيئاً إلى حاضرك ؛ فالمجد الذي لم تصنعه لا يصبح مجدك لمجرد أنك ولدت قريباً منه .
وإن هذا يفسر شيئاً من العصبية التي نراها في مجتمعاتنا ؛ حين يصبح الدفاع عن القبيلة أهم من إصلاح خطئها ، والدفاع عن الوطن أهم من خدمته ، ومدح الجماعة أيسر من تقديم شيءٍ لها ؛ وقد ترى من يتحدث عن حب الوطن في كل مناسبة ، لكنه لم يضع في بنائه لبنةً واحدة ، ولم يقدم علماً أو عملاً ، أو فكرةً أو خلقاً ، وربما لم يترك فيه إلا صدى صوته .
إن الوطن لا يحتاج إلى مزيدٍ من الذين يتغنون بعظمته بقدر ما يحتاج إلى الذين يضيفون إلى عظمته شيئاً ، والقبيلة لا تكبر بكثرة التغني بأمجادها ، وإنما تكبر حين يضيف أبناؤها إلى سجل آبائهم صفحةً جديدةً من المروءة والعمل .
ذلك فالفارق كبير بين من يقول : « أنا عظيم لأن وطني عظيم » ، ومن يقول : « وطني عظيم ، ولذلك أريد أن أكون جديراً بالانتماء إليه ».
الأولى استعارةٌ للمجد ، والثانية تحمّلٌ لمسؤوليته ؛ ولربما لا يكون التساؤل : كم مرةً دافعنا عن وطنٍ أو قبيلةٍ أو فكرةٍ نتغنى بأمجادها؟ ؛ التساؤل الأكثر هدوءاً ، وأشد وقعاً حين ينفرد الإنسان بنفسه : « ماذا وضعتُ أنا في هذا الوطن ، أو هذه الفكرة ، أو هذا النموذج ، حتى يكون لي حقٌ في شيءٍ من مجده؟ .. » .
ربما كان أجمل ما نتركه خلفنا ليس اسماً نتكئ عليه ، ولا مجداً نستعيره ، وإنما لبنةً صغيرةً في بناءٍ كبير ، تكفي يوماً لأن يقول أحدهم : لقد مرّ من هنا إنسانٌ وأضاف شيئاً لهذا البناء ..
« عماد عواودة