facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المجد المستعار


عماد عواودة
27-08-2026 11:33 PM

في عبارةٍ تبدو للوهلة الأولى قاسية، يضع شوبنهاور إصبعه على موضعٍ خفيّ في النفس الإنسانية ؛ يقول : « كل أحمق بائس لا يملك شيئاً يفتخر به ، يتخذ من الفخر بالأمة التي ينتمي إليها ملاذاً أخيراً » ، ثم يمضي في تفكيك ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان مستعداً للدفاع عن عيوب جماعته وحماقاتها. ، كأنما يدافع عن جزءٍ من ذاته .

قد لا يكون شوبنهاور معنياً بالوطنية في معناها النبيل ، ولا بالانتماء بوصفه حاجةً إنسانيةً طبيعية ؛ وإنما يلتفت إلى لحظةٍ يتحول فيها الانتماء من مسؤوليةٍ إلى تعويض ؛ حين لا يجد الإنسان في عمله ، أو خلقه ، أو علمه ، أو أثره ما يمنحه شعوراً بالقيمة ، يبحث عن قيمةٍ جاهزة ، فيستعير مجد الجماعة التي ينتمي إليها .

هنا تبدأ المفارقة.

فإن تقول : « وطني عظيم » ليس إنجازاً شخصياً ، وأن تردد أمجاد أجدادك لا يعني أنك ورثت فضائلهم ؛ وكذلك أن تكون قبيلتك ذات تاريخٍ عريق لا يجعل منك بالضرورة صاحب مروءة ، ما لم تحمل من ذلك التاريخ شيئاً إلى حاضرك ؛ فالمجد الذي لم تصنعه لا يصبح مجدك لمجرد أنك ولدت قريباً منه .

وإن هذا يفسر شيئاً من العصبية التي نراها في مجتمعاتنا ؛ حين يصبح الدفاع عن القبيلة أهم من إصلاح خطئها ، والدفاع عن الوطن أهم من خدمته ، ومدح الجماعة أيسر من تقديم شيءٍ لها ؛ وقد ترى من يتحدث عن حب الوطن في كل مناسبة ، لكنه لم يضع في بنائه لبنةً واحدة ، ولم يقدم علماً أو عملاً ، أو فكرةً أو خلقاً ، وربما لم يترك فيه إلا صدى صوته .

إن الوطن لا يحتاج إلى مزيدٍ من الذين يتغنون بعظمته بقدر ما يحتاج إلى الذين يضيفون إلى عظمته شيئاً ، والقبيلة لا تكبر بكثرة التغني بأمجادها ، وإنما تكبر حين يضيف أبناؤها إلى سجل آبائهم صفحةً جديدةً من المروءة والعمل .

ذلك فالفارق كبير بين من يقول : « أنا عظيم لأن وطني عظيم » ، ومن يقول : « وطني عظيم ، ولذلك أريد أن أكون جديراً بالانتماء إليه ».

الأولى استعارةٌ للمجد ، والثانية تحمّلٌ لمسؤوليته ؛ ولربما لا يكون التساؤل : كم مرةً دافعنا عن وطنٍ أو قبيلةٍ أو فكرةٍ نتغنى بأمجادها؟ ؛ التساؤل الأكثر هدوءاً ، وأشد وقعاً حين ينفرد الإنسان بنفسه : « ماذا وضعتُ أنا في هذا الوطن ، أو هذه الفكرة ، أو هذا النموذج ، حتى يكون لي حقٌ في شيءٍ من مجده؟ .. » .

ربما كان أجمل ما نتركه خلفنا ليس اسماً نتكئ عليه ، ولا مجداً نستعيره ، وإنما لبنةً صغيرةً في بناءٍ كبير ، تكفي يوماً لأن يقول أحدهم : لقد مرّ من هنا إنسانٌ وأضاف شيئاً لهذا البناء ..

« عماد عواودة





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :