facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الجامعات الذكية .. حين تصبح النزاهة جزءًا من النظام


أ.د احمد منصور الخصاونة
28-08-2026 12:32 PM

لم يعد السؤال اليوم: هل تحتاج جامعاتنا إلى التحول الرقمي؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى أي مدى تستطيع جامعاتنا أن تتحول من مؤسسات تستخدم التكنولوجيا إلى مؤسسات تُدار بذكاء؟ فالفرق كبير بين جامعة تستبدل المعاملة الورقية بنموذج إلكتروني، وجامعة تعيد بناء منظومتها الإدارية كاملة على البيانات والمؤشرات والتحليل والتنبؤ والشفافية والمساءلة. الأولى قامت برقمنة إجراءاتها، أما الثانية فقد بدأت بالفعل رحلة التحول نحو الجامعة الذكية.

لقد عانت المؤسسات، ومنها الجامعات، طويلًا من أنماط إدارية تقليدية تقوم على تسلسل طويل للإجراءات، وكثرة المخاطبات واللجان، وتعدد المرجعيات، وبطء اتخاذ القرار، فضلًا عن مساحة واسعة للاجتهاد الشخصي. وقد تنجح مثل هذه الإدارة في تسيير الأعمال اليومية، لكنها لم تعد قادرة على مواكبة عالم يتغير بسرعة هائلة، ولا على إدارة جامعة يفترض أن تكون في مقدمة المؤسسات التي تستشرف المستقبل وتصنع أدواته. ومن المفارقات أن تُدرّس الجامعة الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات وإنترنت الأشياء والتحول الرقمي، بينما تبقى بعض قراراتها الإدارية محكومة بالأساليب ذاتها التي كانت تستخدم قبل عقود. فالتكنولوجيا لا ينبغي أن تبقى موضوعًا داخل القاعات والمختبرات، وإنما يجب أن تنتقل إلى صميم الإدارة وصناعة القرار.

وهنا تبدأ الحوكمة الذكية. فالجامعة الحديثة تمتلك يوميًا كميات ضخمة من البيانات: بيانات الطلبة، والقبول، والتسجيل، والحضور، والنجاح والتعثر، وأداء أعضاء هيئة التدريس، والبحث العلمي، والتمويل، والإنفاق، والاعتماد والجودة، والخدمات، والتوظيف، والشراكات، وخدمة المجتمع. لكن القيمة الحقيقية لهذه البيانات لا تكمن في تخزينها، وإنما في تحويلها إلى معرفة، ثم تحويل المعرفة إلى قرار.

ومن خلال أنظمة ذكاء الأعمال وأدوات الذكاء الاصطناعي، يمكن بناء لوحات قيادة مؤسسية تعرض مؤشرات الأداء لحظة بلحظة، وتكشف مواطن الضعف، وتقارن بين النتائج والأهداف، وترصد الانحراف قبل أن يتحول إلى مشكلة، بل وتتنبأ بما يمكن أن يحدث مستقبلًا. يمكن للجامعة، مثلًا، أن تعرف مبكرًا أي البرامج الأكاديمية يتراجع الإقبال عليها، وأيها يشهد طلبًا متزايدًا، وأين ترتفع نسب التعثر، وما المساقات التي تحتاج إلى مراجعة، وكيف يتوزع العبء التدريسي، وما مستوى الإنتاج البحثي، ومدى كفاءة الإنفاق، ونسب رضا الطلبة، ومدى ارتباط مخرجات البرامج باحتياجات سوق العمل. عندها لا ينتظر المسؤول نهاية العام حتى يكتشف المشكلة؛ بل يراها وهي تتشكل أمامه. لكن الأثر الأعمق للحوكمة الذكية لا يتوقف عند تحسين الكفاءة وسرعة الإنجاز، بل يمتد إلى قضية أكثر أهمية: تعزيز العدالة والنزاهة المؤسسية.

فالخلل الإداري لا ينشأ دائمًا من ضعف الأنظمة، وإنما قد ينشأ من اتساع مساحة القرار الفردي، وغياب المؤشرات الواضحة، وعدم القدرة على تتبع الإجراءات، أو تطبيق المعايير بصورة متفاوتة من حالة إلى أخرى. وكلما اتسعت مساحة الاستثناءات غير المبررة، ازدادت احتمالات المحاباة والواسطة والمزاجية في الإدارة.

أما في المؤسسة الذكية، فإن البيانات لا تعرف الأسماء ولا العلاقات الشخصية، والمؤشرات لا تجامل أحدًا، والخوارزمية ـ إذا بُنيت وفق معايير عادلة وشفافة وخضعت للرقابة البشرية ـ لا تسأل من يعرف من، بل تسأل: ما المعيار؟ وما النتيجة؟ وما الدليل؟ وهنا نصل إلى التحول الحقيقي الذي تحتاجه جامعاتنا: أن تصبح النزاهة جزءًا من تصميم النظام نفسه، لا أن تبقى مرتبطة فقط بأخلاق المسؤول الذي يدير هذا النظام.

فالمؤسسات القوية لا تُبنى على افتراض أن جميع المسؤولين سيكونون مثاليين، وإنما تُبنى أنظمتها بطريقة تجعل القرار قابلًا للقياس والتتبع والمراجعة والمساءلة.

والمسؤول الكفؤ سيجد في هذه المنظومة أداة تعزز نجاحه، أما المسؤول الذي اعتاد الإدارة بالاجتهاد أو العلاقات أو الاستثناءات، فسيجد نفسه أمام نظام يضيّق مساحة المزاجية ويضع القرارات تحت ضوء البيانات. وبعبارة أكثر وضوحًا: مهما كانت الطريقة التي وصل بها المسؤول إلى موقعه، بالكفاءة أو بالواسطة، فإن الحوكمة الذكية تستطيع أن تجعله محكومًا بمعايير المؤسسة لا أن يجعل المؤسسة محكومة بأهوائه. وهذه ربما تكون إحدى أهم مزايا التحول الرقمي الحقيقي.

فذكاء الأعمال لا يعني مجرد رسوم بيانية جميلة على شاشة المدير، وإنما يعني أن يعرف مجلس الجامعة والقيادات الأكاديمية والإدارية ما الذي يحدث بالفعل، ولماذا حدث، وأين يوجد الخلل، ومن المسؤول عنه، وما القرار المطلوب لمعالجته.

ويعني كذلك أن يصبح الأداء المؤسسي ذا ذاكرة رقمية لا تنسى؛ فالقرارات موثقة، والمؤشرات محفوظة، والنتائج قابلة للمقارنة، والمسؤولية قابلة للتحديد. ومع ذلك، يجب ألا نقع في وهم أن الذكاء الاصطناعي نزيه بطبيعته بصورة مطلقة.

فالخوارزمية قد تعكس تحيز البيانات أو ضعف المعايير التي بُنيت عليها. ولذلك فإن الجامعة الذكية تحتاج، بالتوازي مع التكنولوجيا، إلى سياسات واضحة لحوكمة البيانات، وحماية الخصوصية، والأمن السيبراني، وشفافية الخوارزميات، والرقابة البشرية، وحق الاعتراض والمراجعة. فالهدف ليس استبدال البيروقراطية البشرية بـ"بيروقراطية خوارزمية"، وإنما بناء إدارة تجمع بين ذكاء التكنولوجيا وحكمة الإنسان وعدالة المؤسسة.

إن جامعات المستقبل لن تُقاس فقط بعدد مبانيها أو برامجها أو حتى أنظمتها الإلكترونية، بل بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج، والنتائج إلى أثر. والجامعة التي تبدأ اليوم ببناء منظومة متكاملة للحوكمة الذكية لن تكون أكثر سرعة وكفاءة فحسب، بل ستكون أكثر شفافية وعدالة وقدرة على المساءلة، وأكثر استعدادًا للتغيرات القادمة.

لقد آن الأوان أن ننتقل من جامعة تُدار بالإجراءات إلى جامعة تُدار بالمؤشرات، ومن إدارة تنتظر المشكلة إلى إدارة تتنبأ بها، ومن قرار تحكمه الاجتهادات إلى قرار تسنده البيانات.

عندها لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد تخصص ندرّسه لطلبتنا، بل ثقافة مؤسسية نمارسها في جامعاتنا. وحين تصبح البيانات هي المرجع، والمؤشرات هي البوصلة، والشفافية هي القاعدة، والمساءلة جزءًا من النظام؛ لن تعود نزاهة المؤسسة رهينة نزاهة شخص بعينه. فالجامعة الذكية لا تحتاج إلى مسؤول مثالي كي تكون مؤسسة عادلة؛ بل تحتاج إلى نظام ذكي يجعل الإدارة الرشيدة هي الطريق الوحيد المتاح للجميع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :